الثلاثاء، 5 مايو 2020

الإمبراطور التعيس




"أنت إمبراطور" لأن أقصى ما استطاع فرعون مصر أن يقتنيه من وسائل النقل كان عربة كارو يجرها حصان، وإمبراطور فارس كان يضيء قصره بالشموع وقناديل الزيت وقيصر الرومان كان يشرب من السقا، والإمبراطور غليوم كان عنده أراجوز، لكننا تعساء فمن عنده عربة لا يستمتع بها، وإنما ينظر في حسد لمن عنده عربتان ومن عنده زوجة جميلة يتركها وينظر إلى زوجة جاره. لقد أصبحنا أباطرة، ولكننا مازلنا نفكر بغرائز حيوانات. تقدمنا كمدينة وتأخرنا كحضارة، ارتقى الإنسان في معيشته وتخلف في محبته.
ما تقدم كان وصفاً رائعاً للمبدع د مصطفى محمود، لكني حذفت منه بعض النصوص وخصوصاً فيما يتعلق بنا اليوم وما هو متاح لنا لأن في وقت د محمود لم يكن هناك وسائل ذكية من بيت وهواتف وتلفزيونات وجوجل وفيسبوك ونتفلكس والعديد من وسائل الراحة التي وفرتها التكنولوجيا الحديثة. كلامه ليس بالبعيد زمنياً، لكن التغيرات التي حصلت في الحياة المادية كبيرة جداً ، وستتغير أكثر وستتطور المدنية أكثر. لكن الإنسانية لسبب ما لم تتغير فمازالت المظاهر المذكورة في مقالته موجودة بيننا بل ربما تعززت أكثر فأصبحت المقارنة لا تتعلق بالجار بل بالعالم كله حتى أن أحدهم قد يحسد رونالدو وميسي ويشعر بالتعاسة أن موهبته الكروية لم تحقق النجاح مثل ما حصل مع صلاح.
يقول بروفيسور كورنيل روبرت فرانك في كتابه المشهور "النجاح والحظ" أن الدلائل تبين أن الأغنياء في أمريكا لا يزدادون سعادة مع زيادة حجم بيوتهم إلا أن ذوي الدخل المتوسط والمحدود يقلدونهم ويحاولون الحصول على الأشياء المادية مثلهم ولو اضطروا للاقتراض.   
ها قد جاء كورونا برسالة بسيطة ليذكرنا بنعمنا وأهمية إنسانيتنا ووحدتنا وأن الحياة المادية مادية وآنية، وهناك معان أكبر من تحديث المدنية ، وكما قال أرسطو : طبيعي أن نسعى وراء سعادتنا "الهيدونيكية" المادية وسعادتنا "اليودومانيكية " المعنوية، أما أن تطغى الأولى فإننا سنصبح كالأنعام لا تفكر إلا بالمرعى ولا تحب إلا أن ترعى أو كما قال grazing animals.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق