التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

قصة يوري ورومان

يحكي لنا بيتر تورشين في كتابه الحرب والسلام والحرب (صعود الإمبراطوريات وهبوطها) حكاية قصيرة تمثل عقدة أزلية، ما تزال تتكرر في كل زمان ومكان . كان يا ما كان في قديم الزمان حاكمان، يوري ورومان (هيك اسمهم مش عشان السجع)، وكانا يعيشان في إمارة ريازان (حتى هذه هيك اسمها)،  الواقعة جنوب شرق موسكو، وذلك في القرن الثالث عشر، حين كان نسل المغول يصول ويجول . وعندما جاء دور ريازان واقترب الجيش المغولي، يذكر تورشين أن الأخ يوري (مش المقصود تقديمه باحترام لكن لأنهم أخوان) تحصّن في عاصمة الإمارة، ريازان، بينما بقي رومان—بدلاً من نصرة أخيه—في بلدة أصغر هي كولومنا، على بُعد نحو 80 كيلومترًا شمال غرب ريازان . استولى المغول أولاً على ريازان، فقتلوا يوري وأبادوا سكانها. ثم توجهوا إلى كولومنا، فهزموا رومان وقتلوه أمام القلعة ، واستولوا كولومنا نفسها . وتكرر هذا السيناريو مرارًا وتكرارًا. فقد كان تفتّت روسيا إلى عشرات الإمارات الصغيرة، وعجز حكامها عن التوحد في مواجهة التهديد الخارجي، من الأسباب الرئيسية—وربما السبب الأبرز—التي مكّنت المغول من غزوها في القرن الثالث عشر. ولم تُستعد القوة إلا حين ت...
آخر المشاركات

حكاية كل زمان ومكان

تبدأ الحكاية بخيانة الإخوة، وانتقاله من حضن أبيه الدافئ إلى البئر المظلم البارد؛ طفلٌ وحيد، مقطوعٌ إلا من رحمة ربّه . ثم يأتي الفرج—أو هكذا ظنّ—ولعلّه اشتاق لعناق أبيه حين يُعاد إليه، لكن خاب ظنّه، وأصبح عبدًا في يومٍ وليلة . اسودّت الدنيا في وجهه في البداية، حتى تبيّن له أنّه في بيتٍ شريفٍ مُنعَّم، ومنزلٍ واسع، وخيراتٍ كثيرة، وخدمٍ وحشم؛ قد تُعوّضه عن فقد حريته . لكن أطلت عليه فتنة الترف والشهوات، وها هو يُساوَم على جماله الذي ربما كان سببًا في شرائه، فإذا به يتحوّل إلى نقمةٍ عليه. فوجد نفسه بين نار المعصية ونار التهديد، فصبر ودعا، فنجا . ثم انتقل من حياة القصور إلى غياهب السجون؛ فلم يعجز ولم ييأس، بل أصبح داعيةً وقدوة. وبزغ الأمل من جديد، غير أنه خبا في غفلة الزمن، حين نسي صاحبه أمره بضع سنين . ، وكان ذلك التوقيت الأنسب لتظهر براءته، وتتغيّر حياته، وحياة أهله، وحياة مجتمعه وبلده بسببه . تسلسلٌ عجيب فصّله لنا القرآن لينفعنا ويعيننا عند الأزمات؛ فما نظنّه انفراجًا قد يزداد تعقيدًا، أو ينحرف مساره، ثم يعود أشدّ وأمرّ. وقد لا ندرك أنّها مراحل تهيئة، وطرق متعرّجة، ودورات إعداد، تُ...

طوبى للغرباء

  انتهت محاكمة الأسمر توم روبنسون باتهامه باغتصاب فتاة بيضاء رغم مرافعة مميزة من المحامي الرائع أتيكوس نصير المظلومين، انزعج ابنه جيم كثيراً ولم يفهم كيف قامت هيئة المحلفين بتثبيت الجرم بالإجماع، فجاءت النتيجة عكس الأجواء الإيجابية السائدة في قاعة المحكمة حيث قدم المحامي أتيكوس أدلة دامغة ومقنعة استمرت لساعات، على عكس القضايا السابقة حيث كان يُحكم على الأشخاص ذوي البشرة السمراء بدقائق ولو كانوا مظلومين، وهذا بحد ذاته كان تقدماً في نظر أتيكوس.  هنا تدخلت الجارة القوية سليطة اللسان دافئة القلب مودي أتكنسون وقالت لجيم: "أريد فقط أن أخبركِ يا جيم أن هناك بعض الرجال الشجعان في هذا العالم وُلدوا ليقوموا بالأعمال التي لا نستطيع القيام بها لجبننا، ووالدك واحد منهم." ففي تلك الفترة كانت قلوب أهل البلدة قاتمة بالعنصرية المقيتة ضد الأشخاص ذوي البشرة السمراء، وقصدت مودي هنا أنه ليس سهلاً الدفاع عن رجل أسود في هذا المجتمع العنصري، ولذلك يتجنب معظم الناس المعارك الأخلاقية الصعبة، لكن هناك أفرادًا نادرين يتمتعون بالنزاهة الكافية لمواجهتها من أجل العدالة مثل أتيكوس. دار هذا الحوار في م...

عيدنا يوم عودتنا

أُغلقت أبواب الأقصى اليوم في عيده وعيدنا، لكننا سنفتحها يومًا ونسأل الله أن يكون قريباً، حيث تتفتح أبوابه كالأزهار لتحضن الكون كله وتقام صلاة جامعة يؤذن فيها أذان بلاليّ بطلب عمريّ، ويصطف الجميع كما اصطف الأنبياء في ليلة الإسراء، وتلامس جباهٌ تلونت بألوان الأرض من شرقها إلى غربها فترى إخوانك من المسلمين العرب والفرس والأكراد والأمازيغ والأتراك والبشتون والطاجيك والأوزبك والبنغال والجاوية والملايو والهوسا والفولاني والسواحيليين  والولوف والقازاق والشركس والقرغيز والأورومو والصوماليين والبوشناق والألبان والشيشان والداغستانيين والتتار والهوي والكشميريون والروهينجا والمورو ومن سكن أوروبا الشرقية والغربية وشمال أمريكا وجنوبها وكل بقاع الارض. ‎ تخيلتُهم هناك، يصفّون صفاً واحدًا كأنهم بنيان مرصوص، ويصلون صلاة واحدة لا تعترف بحدودِ الجوازات والإقامات أو التأشيرات بل بحدودِ الروح والحب والأمل. وبعد أن سلّمنا عن اليمين وعن الشمال، عانقنا ضيوفنا وأخذناهم في رحلة فلسطينية مقدسة في زقاق البلدة القديمة ومحلات القدس العتيقة. هناك، حيث يفوح عبق التاريخ وينتهي إلى رائحة كعك مقدّس محمّص، وحمص وفل...

منظومة التربية والتعليم

  توقفت بالأمس عند هذه الصفحة من الرواية الرائعة To kill a Mockingbird التي نشرت عام ،١٩٦٠ وتتناول حقبة ثلاثينات القرن الماضي في الولايات المتحدة. في مشهد معبّر عن روح الرواية (بتصرّف) تقول الطفلة الشقية الذكية البهية سكوت لأبيها المحامي الدمث؛  "هل تدافع عن "السود n****s" ؟  " فرد عليها: "طبعاً، ولا تقولي "السود"! هذا لا يليق" (وكانت العنصرية في تلك الفترة في أوجها وخاصة في الجنوب).  فقالت: "لكن الجميع في المدرسة يقولون ذلك"  الأب: "من الآن فصاعدًا سيصبح العدد؛ الجميع ناقص واحد" سكوت: "حسنًا، إذا كنت لا تريدني أن أكبر وأنا أتحدث بهذه الطريقة، فلماذا ترسلني إلى المدرسة؟" وفي موقف آخر سابق في الرواية نفسها، تغضب سكوت من معلمتها التي لم تستسغ نبوغها وما تعلمته في المنزل وأصرت أنها مصدر العلم والتعلم من الآن فصاعدًا دون مراعاة مستوى سكوت المتقدم. تأملت وأنا أقرأ هذه السطور - رغم بعدها عن الموضوع الرئيسي للرواية - في أهمية تكامل منظومة التربية والتعليم وما تشمله من فواعل متعددة تُسهم مجتمعة في تشكيل شخصي...

الكوارث المفتعلة

  لطالما تعاطفنا، نحن الفلسطينيين، مع إخواننا المستضعفين والمظلومين في كل مكان، ولذلك تراهم يتعاطفون معنا. فقد كانت تدمي قلوبنا مشاهد اللجوء وتشريد إخواننا في سوريا والصومال والسودان وغيرها من دول إفريقيا ومجاعاتها وأمراضها المفتعلة أو المسكوت عن حلولها كغيرها من دول الجنوب التي تم إفقارها بفعل فاعل إما مباشرة أو عبر تهيئة الأجواء المناسبة للكارثة.         اليوم تعيش غزة أصعب حلقات عذاباتها وحالها يتجاوز ما ذكر من أحوال المستضعفين، فالحصار مستمر، حتى بعد عامين من حرب إبادة جماعية (لم تنته)، تم فيها اقتلاع الشجر وكل شيء ولم يبقى حجر على حجر، إلا الغزي الصامد الذي أبهر البشرية وغير أفكار الناس في كل مكان حتى أن منهم من تبدلت بوصلته الإنسانية بل أن منهم من بدل ما يؤمن به بسبب القضية. وها هي العواصف الطبيعية تهب في كل مكان ومن ضمنها هذا المكان الذي لم يعد ذلك المكان لولا بقاء الإنسان، والعالم يتفرج مدركاً أن الأجواء متهيئة بفعل فاعل لكوارث طبيعية كان يمكن أن تمر على البيوت في الأيام العادية كشتوة رومانسية. كيف تجرأت الأمة على تبرئة ذمتها بإعلان ...

تخدم تسلم يا "جار" ... لا خيار ولا قرار

  تراجعت فكرة الرأسمالية والسوق الحر مع حصول الكساد الكبير وسرعان ما ظهر الفكر الكينزي الذي يتبنى ببساطة دور تنموي كبير للدولة، وتبنى ذلك الفكر الرئيس روزفلت من خلال قيامه بما سمي الصفقة الجديدة The New Deal ، واستمرت قصة النجاح "الغربية" بعد الحرب العالمية الثانية وخصوصاً في الخمسينات والستينات، لكنها حتى في بلادها ظلت قصة نجاح الرجال البيض كما يقول جيسون هيكل في كتابه الرائع الصريح The Divide والذي اعتمدت عليه في كثير مما كتبت في هذه المقالة القصيرة ومازالت أقرأ فيه، وأنصح الجميع بقراءته لنفهم النظام الاقتصادي العالمي الجائر. تزامن ذلك مع بداية تحرر واستقلال دول الجنوب التي رأت في ذلك النموذج ما يصلح لها مستفيدة من فشل ونجاح محاولات التجربة الغربية وعادة ما يتبع المستعمَر خطى المستعمِر لظنه أنه أفضل منه كما يقول ابن خلدون. وحتى نركز على أمريكا اللاتينية اليوم بسبب أخبار فنزويلا والنمرود المتنمر ترامب، فقد كان للرئيس التقدمي "الملهم" روزفلت كما رأيناه في فيلم Night at the Museum (وكلهم مجرمين مهما حاولت هوليوود تلميعهم) دور مهم فيما سمي بسياسة "الجار الج...