التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

طوبى للغرباء

  انتهت محاكمة الأسمر توم روبنسون باتهامه باغتصاب فتاة بيضاء رغم مرافعة مميزة من المحامي الرائع أتيكوس نصير المظلومين، انزعج ابنه جيم كثيراً ولم يفهم كيف قامت هيئة المحلفين بتثبيت الجرم بالإجماع، فجاءت النتيجة عكس الأجواء الإيجابية السائدة في قاعة المحكمة حيث قدم المحامي أتيكوس أدلة دامغة ومقنعة استمرت لساعات، على عكس القضايا السابقة حيث كان يُحكم على الأشخاص ذوي البشرة السمراء بدقائق ولو كانوا مظلومين، وهذا بحد ذاته كان تقدماً في نظر أتيكوس.  هنا تدخلت الجارة القوية سليطة اللسان دافئة القلب مودي أتكنسون وقالت لجيم: "أريد فقط أن أخبركِ يا جيم أن هناك بعض الرجال الشجعان في هذا العالم وُلدوا ليقوموا بالأعمال التي لا نستطيع القيام بها لجبننا، ووالدك واحد منهم." ففي تلك الفترة كانت قلوب أهل البلدة قاتمة بالعنصرية المقيتة ضد الأشخاص ذوي البشرة السمراء، وقصدت مودي هنا أنه ليس سهلاً الدفاع عن رجل أسود في هذا المجتمع العنصري، ولذلك يتجنب معظم الناس المعارك الأخلاقية الصعبة، لكن هناك أفرادًا نادرين يتمتعون بالنزاهة الكافية لمواجهتها من أجل العدالة مثل أتيكوس. دار هذا الحوار في م...
آخر المشاركات

عيدنا يوم عودتنا

أُغلقت أبواب الأقصى اليوم في عيده وعيدنا، لكننا سنفتحها يومًا ونسأل الله أن يكون قريباً، حيث تتفتح أبوابه كالأزهار لتحضن الكون كله وتقام صلاة جامعة يؤذن فيها أذان بلاليّ بطلب عمريّ، ويصطف الجميع كما اصطف الأنبياء في ليلة الإسراء، وتلامس جباهٌ تلونت بألوان الأرض من شرقها إلى غربها فترى إخوانك من المسلمين العرب والفرس والأكراد والأمازيغ والأتراك والبشتون والطاجيك والأوزبك والبنغال والجاوية والملايو والهوسا والفولاني والسواحيليين  والولوف والقازاق والشركس والقرغيز والأورومو والصوماليين والبوشناق والألبان والشيشان والداغستانيين والتتار والهوي والكشميريون والروهينجا والمورو ومن سكن أوروبا الشرقية والغربية وشمال أمريكا وجنوبها وكل بقاع الارض. ‎ تخيلتُهم هناك، يصفّون صفاً واحدًا كأنهم بنيان مرصوص، ويصلون صلاة واحدة لا تعترف بحدودِ الجوازات والإقامات أو التأشيرات بل بحدودِ الروح والحب والأمل. وبعد أن سلّمنا عن اليمين وعن الشمال، عانقنا ضيوفنا وأخذناهم في رحلة فلسطينية مقدسة في زقاق البلدة القديمة ومحلات القدس العتيقة. هناك، حيث يفوح عبق التاريخ وينتهي إلى رائحة كعك مقدّس محمّص، وحمص وفل...

منظومة التربية والتعليم

  توقفت بالأمس عند هذه الصفحة من الرواية الرائعة To kill a Mockingbird التي نشرت عام ،١٩٦٠ وتتناول حقبة ثلاثينات القرن الماضي في الولايات المتحدة. في مشهد معبّر عن روح الرواية (بتصرّف) تقول الطفلة الشقية الذكية البهية سكوت لأبيها المحامي الدمث؛  "هل تدافع عن "السود n****s" ؟  " فرد عليها: "طبعاً، ولا تقولي "السود"! هذا لا يليق" (وكانت العنصرية في تلك الفترة في أوجها وخاصة في الجنوب).  فقالت: "لكن الجميع في المدرسة يقولون ذلك"  الأب: "من الآن فصاعدًا سيصبح العدد؛ الجميع ناقص واحد" سكوت: "حسنًا، إذا كنت لا تريدني أن أكبر وأنا أتحدث بهذه الطريقة، فلماذا ترسلني إلى المدرسة؟" وفي موقف آخر سابق في الرواية نفسها، تغضب سكوت من معلمتها التي لم تستسغ نبوغها وما تعلمته في المنزل وأصرت أنها مصدر العلم والتعلم من الآن فصاعدًا دون مراعاة مستوى سكوت المتقدم. تأملت وأنا أقرأ هذه السطور - رغم بعدها عن الموضوع الرئيسي للرواية - في أهمية تكامل منظومة التربية والتعليم وما تشمله من فواعل متعددة تُسهم مجتمعة في تشكيل شخصي...

الكوارث المفتعلة

  لطالما تعاطفنا، نحن الفلسطينيين، مع إخواننا المستضعفين والمظلومين في كل مكان، ولذلك تراهم يتعاطفون معنا. فقد كانت تدمي قلوبنا مشاهد اللجوء وتشريد إخواننا في سوريا والصومال والسودان وغيرها من دول إفريقيا ومجاعاتها وأمراضها المفتعلة أو المسكوت عن حلولها كغيرها من دول الجنوب التي تم إفقارها بفعل فاعل إما مباشرة أو عبر تهيئة الأجواء المناسبة للكارثة.         اليوم تعيش غزة أصعب حلقات عذاباتها وحالها يتجاوز ما ذكر من أحوال المستضعفين، فالحصار مستمر، حتى بعد عامين من حرب إبادة جماعية (لم تنته)، تم فيها اقتلاع الشجر وكل شيء ولم يبقى حجر على حجر، إلا الغزي الصامد الذي أبهر البشرية وغير أفكار الناس في كل مكان حتى أن منهم من تبدلت بوصلته الإنسانية بل أن منهم من بدل ما يؤمن به بسبب القضية. وها هي العواصف الطبيعية تهب في كل مكان ومن ضمنها هذا المكان الذي لم يعد ذلك المكان لولا بقاء الإنسان، والعالم يتفرج مدركاً أن الأجواء متهيئة بفعل فاعل لكوارث طبيعية كان يمكن أن تمر على البيوت في الأيام العادية كشتوة رومانسية. كيف تجرأت الأمة على تبرئة ذمتها بإعلان ...

تخدم تسلم يا "جار" ... لا خيار ولا قرار

  تراجعت فكرة الرأسمالية والسوق الحر مع حصول الكساد الكبير وسرعان ما ظهر الفكر الكينزي الذي يتبنى ببساطة دور تنموي كبير للدولة، وتبنى ذلك الفكر الرئيس روزفلت من خلال قيامه بما سمي الصفقة الجديدة The New Deal ، واستمرت قصة النجاح "الغربية" بعد الحرب العالمية الثانية وخصوصاً في الخمسينات والستينات، لكنها حتى في بلادها ظلت قصة نجاح الرجال البيض كما يقول جيسون هيكل في كتابه الرائع الصريح The Divide والذي اعتمدت عليه في كثير مما كتبت في هذه المقالة القصيرة ومازالت أقرأ فيه، وأنصح الجميع بقراءته لنفهم النظام الاقتصادي العالمي الجائر. تزامن ذلك مع بداية تحرر واستقلال دول الجنوب التي رأت في ذلك النموذج ما يصلح لها مستفيدة من فشل ونجاح محاولات التجربة الغربية وعادة ما يتبع المستعمَر خطى المستعمِر لظنه أنه أفضل منه كما يقول ابن خلدون. وحتى نركز على أمريكا اللاتينية اليوم بسبب أخبار فنزويلا والنمرود المتنمر ترامب، فقد كان للرئيس التقدمي "الملهم" روزفلت كما رأيناه في فيلم Night at the Museum (وكلهم مجرمين مهما حاولت هوليوود تلميعهم) دور مهم فيما سمي بسياسة "الجار الج...

الذكاء الاصطناعي في التعليم العالي

  شاركتُ بالأمس في حلقة نقاش علمية في الجامعة الأمريكية في الكويت، تتعلق بتأثير الذكاء الاصطناعي على التعليم العالي، حيث تحدثتُ باقتضاب عن مستقبل التعليم العالي في ظل الثورة الصناعية الرابعة وما يصحبها من إيجابيات وتحديات. فحسب تقرير مستقبل الوظائف في نسخته الأخيرة   2025 والذي يصدره المنتدى الاقتصاد العالمي بشكل دوري (مع تحفظنا على مثل هذه المؤسسات الدولية)، فإن حوالي  60%  من الموظفين سيلزمهم تعديل مهاراتهم أو تغييرها جذريًا لتوائم احتياجات سوق العمل وذلك بحلول عام 2030.  لا شك أن الذكاء الاصطناعي، والتوليدي بالتحديد (سامحونا على الترجمة، وخصوصًا أخواتنا القابلات)، سيكون المؤثر الرئيس في مجال التعليم. ونظرًا لحداثته نسبيًا وتفاجئ الجمهور بإمكانياته العجيبة، حيث أوهمهم بذكائه وفهمه الظاهري لما يسألون ويطلبون، وما هي إلا حسابات معقدة تتوقع أفضل الكلمات والمفردات لنسج ردٍّ متماسك لا يفهم هو كُنْهَهُ وروحه، ولكن يقنعك بسحره فلا تملك إلا أن تنسى أنك تتحدث إلى آلة . تجاذب الأكاديميون أطرافه وتجادلوا في أفضل الطرق للتعامل معه؛ فمنهم من طرح حظره في البداية، ومنهم...

"قدقدت" قيام دولة فلسطينية

ويستمر اجترار التاريخ وتشويه الحقيقة والحقوق، وعمل المجالس واللجان والتآمر على الإنسان، تتغير وجوه الوحوش لكنها بنفس الروح، تدفع الحشود والمندفعين وتدوس على المنبطحين، يتشكل مجلس سلام غامض فيصفق الأنام وتساق الأمم كالأغنام. حراك وتسويق للأوهام يستخف ويستسخف عقول المتابعين العاديين فكيف بالسياسيين، يُأمّلون الناس بسراب بعيد، وعلى صوت قربة مخرومة التقطوها من جديد، عملية سلام تم تصميمها وتوظيفها بالأساس لكسب الوقت وسرقة الأرض وحشر الناس وتجويعهم ثم تهجيرهم. ولا عجب أن الخطة البرتقالية الجهنمية تجنبت ذكر الضفة، ولكن بسبب ضغوط  بعض   الإخوة والأشقاء (أو هكذا قيل) تنازل "الراعي" وأضاف "قد"، فتقدقدت الدولة بشروط إصلاح جثة هامدة بينما الإصلاح الحقيقي الوحيد هو إصلاح السياج وأنظمة مراقبة السجن الجديد الصغير هناك للتأكد من خنق أي تفكير في التحرك ضد السجان وتكرار أي ثورة وكسر لأي شوكة ولو كانت وخزة دبوس. وفي الوقت نفسه  يُعاد إحياء عملية السلام، أو كما وصفها تشومسكي في الكتاب المميز On Palestine ، "لم يكن الهدف من عملية السلام الوصول إلى هدف محدد، بل تكريس حالة اللاحل. ا...