لفت انتباهي لقطة بسيطة بينما كنت أشاهد فيلمًا قديمًا، يظهر فيه الأب وهو يدفع عربة أطفال يجلس فيها ابنه الصغير، وقد بدا غارقًا في مشاهدة ما حوله مبتسمًا. وهذا ما كان يحصل مع كل طفل في مثل حاله في تلك الأيام؛ إذ كان ذلك وقتًا خالصًا له، يتأمل فيه المارة من صغير وكبير، ومواطن وغفير، ويراقب ورق الشجر تحركه الرياح، أو يتساقط إن كان الخريف قد طرق الأبواب ودثّر الخضار والأيام المِلاح. ثم ينتقل نظره من السماء إلى الأرض، فيشاهد الحجارة المتناثرة، أو ربما بعض العشب، أو البلاط اللامع، وانعكاس صورته فيه، أو في المرايا الجانبية إذا كان في مركز تسوق . صحيح أن معظم هذه العربات لا يكون فيها اتجاه الطفل مواجهاً للطريق (ظهره لوالديه)، وفي ذلك استراحة للطرفين، إلا أنها تمنحه مساحةً رحبةً ليتفاعل مع محيطه؛ فتشم حواسه روائح جديدة، ويرى مشاهد حياتية حقيقية، ولو كانت ذبابةً يهشّها عن خده بحنية، أو نحلةً يلمحها تختلس رحيق زهرة بهية. ويستمع إلى حوار لطيف بين اثنين من المارة، أو إلى نداء على بضاعة معروضة: "الثلاثة بعشرة " (ولعل هذه العروض اختفت من نابلس هذه الأيام)، أحداث كثيرة وتجارب مثيرة، غ...
يحكي لنا بيتر تورشين في كتابه الحرب والسلام والحرب (صعود الإمبراطوريات وهبوطها) حكاية قصيرة تمثل عقدة أزلية، ما تزال تتكرر في كل زمان ومكان . كان يا ما كان في قديم الزمان حاكمان، يوري ورومان (هيك اسمهم مش عشان السجع)، وكانا يعيشان في إمارة ريازان (حتى هذه هيك اسمها)، الواقعة جنوب شرق موسكو، وذلك في القرن الثالث عشر، حين كان نسل المغول يصول ويجول . وعندما جاء دور ريازان واقترب الجيش المغولي، يذكر تورشين أن الأخ يوري (مش المقصود تقديمه باحترام لكن لأنهم أخوان) تحصّن في عاصمة الإمارة، ريازان، بينما بقي رومان—بدلاً من نصرة أخيه—في بلدة أصغر هي كولومنا، على بُعد نحو 80 كيلومترًا شمال غرب ريازان . استولى المغول أولاً على ريازان، فقتلوا يوري وأبادوا سكانها. ثم توجهوا إلى كولومنا، فهزموا رومان وقتلوه أمام القلعة ، واستولوا كولومنا نفسها . وتكرر هذا السيناريو مرارًا وتكرارًا. فقد كان تفتّت روسيا إلى عشرات الإمارات الصغيرة، وعجز حكامها عن التوحد في مواجهة التهديد الخارجي، من الأسباب الرئيسية—وربما السبب الأبرز—التي مكّنت المغول من غزوها في القرن الثالث عشر. ولم تُستعد القوة إلا حين ت...