انتهت محاكمة الأسمر توم روبنسون باتهامه باغتصاب فتاة بيضاء رغم مرافعة مميزة من المحامي الرائع أتيكوس نصير المظلومين، انزعج ابنه جيم كثيراً ولم يفهم كيف قامت هيئة المحلفين بتثبيت الجرم بالإجماع، فجاءت النتيجة عكس الأجواء الإيجابية السائدة في قاعة المحكمة حيث قدم المحامي أتيكوس أدلة دامغة ومقنعة استمرت لساعات، على عكس القضايا السابقة حيث كان يُحكم على الأشخاص ذوي البشرة السمراء بدقائق ولو كانوا مظلومين، وهذا بحد ذاته كان تقدماً في نظر أتيكوس. هنا تدخلت الجارة القوية سليطة اللسان دافئة القلب مودي أتكنسون وقالت لجيم:
"أريد
فقط أن أخبركِ يا جيم أن هناك بعض الرجال الشجعان في هذا العالم وُلدوا ليقوموا بالأعمال
التي لا نستطيع القيام بها لجبننا، ووالدك واحد منهم." ففي تلك الفترة كانت
قلوب أهل البلدة قاتمة بالعنصرية المقيتة ضد الأشخاص ذوي البشرة السمراء، وقصدت مودي
هنا أنه ليس سهلاً الدفاع عن رجل أسود في هذا المجتمع العنصري، ولذلك يتجنب معظم
الناس المعارك الأخلاقية الصعبة، لكن هناك أفرادًا نادرين يتمتعون بالنزاهة الكافية
لمواجهتها من أجل العدالة مثل أتيكوس.
دار هذا الحوار في مشهد ملهم في رواية To kill a Mockingbird التي نشرت عام١٩٦٠ وتتناول حقبة ثلاثينات القرن الماضي في الولايات المتحدة، لكن قيمتها ورسالتها مازالت حاضرة حيث يشاهد كثير من الناس المجازر والظلم وينأون برؤوسهم خوفاً أو طمعاً إلا القليل من الرجال أصحاب المواقف التي لا تحيد بوصلتهم عن الحق مهما كان الثمن، قلباً وقالباً، ولو كانوا يعلمون أن معركتهم خاسرة مثل معركة أتيكوس. ولا شك أن أول من يخطر في بالنا في هذه الظروف العالم العامل نورمان فينكلشتاين الذي قد لا ينتمي إلى القضية وأهلها جينياً ودينياً مثل مئات الملايين لكنه انتمى إلى المظلومين ودافع عنهم في كل المواقف ولسنين (يُقال أن الخبيث إبستين حاول استدراجه بشكل غير مباشر لكنه "مسح البلاط" بزميله واسطة "الشر")، وكذلك فعلت فرانشيسكا ألبانيزي مؤخراً رغم ملاحقتها والتضييق عليها، وقبل أيام جو كنت واستقالته المفاجئة بسبب الحرب، وغيرهم من أفراد أمتنا المغاوير على قلتهم، لكنها تظل مواقف شخصية فردية لم تلق صدى عند القياديين إلا القليل القليل كما فعلت قيادة جنوب افريقيا التي تكلمت وتحركت عكس تيار عالمي متآمر أو متخاذل أو جبان وبمستوى أقل بيدرو سانشيز رئيس وزراء اسبانيا، فطوبى للغرباء الشرفاء الذين يصلحون إذا فسد الناس والذين سيخلدهم التاريخ كما تخلدت شخصيات رواية هاربر لي الوحيدة رغم كونها شخصيات وهمية.

تعليقات
إرسال تعليق