الأحد، 31 مايو 2020

ضوضاء الفضاء الالكتروني




شكلت فريق كرة قدم باسم فلسطين للمشاركة في "كأس العالم" في جامعة نوتنجهام في بريطانيا واستجاب لدعوتي مجموعة من الشباب العربي من مختلف الجنسيات (لأن معظم أحبائي الفلسطينيين لم يكونوا وقتها بمستوى كأس عالم ولم نرد المشاركة بهدف المشاركة :) وسمعنا حينها أن الفريق الألماني (أعتقد تعادلنا معه يومها) اعترض، ربما مازحاً، أن فريقنا لا يحتوي إلا على فلسطينيّ واحد :)
كانت تلك الفترة مميزة جداً رغم مرارة الغربة والبعد عن العائلة، إلا أننا تحصلنا على عائلة كبيرة وتعرفنا وخالطنا معظم الجنسيات العربية، وكنا منسجمين يحب بعضنا بعضاً ونتحمل بعضنا ونتجاوز الخلافات بسلاسة رغم اختلاف العادات والثقافات، وكنّا موحدين على حب فلسطين وحب أمتنا ولغتنا.  
أما هذه الأيام ومع انتشار مواقع التواصل الاجتماعي فترى الناس أحياناً يتفاعلون مع بوستات وفيديوهات تقدح وتعمم على شعوب شقيقة كاملة، رغم أن الشخص ربما لم يلتق في حياته بأحد منهم، إنما هي غوغاء وضوضاء الفضاء الالكتروني الذي لا يرحم والذي يحتوي على الغث كما يحتوي السمين والثمين، أو ربما ساءه تصرف أحدهم أو أخبره أحدهم فعمم عليهم كلهم.
في كل شعب هناك الطالح والصالح، والاخير هو الغالب ويجب أن يكون الغالب، لكن الطالح يشيع صيته بسبب نشاز صوته ويستفز الآخرين فيعم، بالإضافة إلى ما يسمى الذباب الإلكتروني الموجه الذي يستغل مواقع التواصل الاجتماعي عمداً للترويج لأجندات مسيئة وأحياناً عنصرية مقيتة ويجر معه أيضاً العوام.
لذلك يجب أن نتبه لهم ولا نقع في شراكهم وترّهاتهم، وإن علقنا أو قلنا شيئاً لهم فنقول كما قال عباد الرحمن لأمثالهم: "سلاما"، وقدوتنا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم الذي لم تكن تزده شدة الجهل إلا حلما.
    

الأربعاء، 27 مايو 2020

كورونا من زاوية أخرى




النظر للأمور من زوايا مختلفة عادة صحية ومهمة جداً لتعزيز الابداع والابتكار للإتيان بحلول مختلفة ومفيدة، وهو أيضاً مهم في الحياة بشكل عام لمواجهة التحديات وتحويلها إلى فرص، وترويض النفس على حب الحياة ومقارعة تفاصيلها بإيجابية وعدم الانسحاب أو الاستسلام للاكتئاب والضجر والاحباط. 
غولوم في فيلم الهوبيت وسيد الخواتم كان يتقلب حاله بين الحب والكره وبين القبول والنقمة وكأنه شخصين مختلفين لكنه في الحقيقة واحد ينظر للأمور من زاويتين مختلفتين وللأسف أهلكته الزاوية الداكنة بسبب تأثير الخاتم وانجذابه إليه.  
نعود لموضوعنا ، أعتقد أن مجرد التأمل في الأحوال ضمن هذه الفلسفة يمكن أن يؤدي إلى تغيير فهمنا للأحوال وتقدير نعم الله علينا وهنا بعض الأمثلة الافتراضية الكورونية: 
زمان ما أكلنا في مطعم    ---< يوتيوب أكلة جديدة وكن أنت الشيف   
لا يوجد بلكونة في البيت ---< بيتك واسع 
بيتنا ضيق                 ---< بيتك لطيف
العمل بالبيت متعب       ---< أنت مع أطفالك وأهلك
أولادي عنيدون           ---< وطيبون ومتميزون ومبدعون 
زوجتي صارت عصبية     ---< لكنها تحبك وتقدرك وتهتم بك 
الانترنت بطيء اليوم       ---< فرصة للعب "حية وسلم" اليوم 
الأخبار كلها سيئة          ---< شاهد مباراة أو فيلم قديم له ذكريات جميلة 
لن نسافر هذا العام        ---< لقد وفرت مبلغاً لمشروع ترفيهي آخر هذه السنة 
قد أفقد عملي              ---< لم تفقده بعد 
فقدت عملي                ---< فرصة تبحث عن عمل جديد تحبه أكثر
مللت الجلوس في البيت   ---< أحسن من كلل الجلوس في المستشفى

وأنت أيضاً قادر على التفكير بأجوبة أخرى إذا نظرت بزاوية أخرى (سامحونا عصبت عليه في آخر وحدة :) 

الثلاثاء، 26 مايو 2020

وراهم وراهم





في علم النفس الادراكي هناك ظاهرة تحيز إدراكي تسمى Bandwagon effect وتعني حرفياً ظاهرة تأثير عربة الموسيقى حيث يهرع الناس وراءها بمجرد رؤيتها تسير في الطريق ليصبحوا جزء من الحفلة، وهي تعني اقتناع الشخص بظاهرة معينة بمجرد مشاهدة عدد كبير من الناس يتبعونها وهي نوع من أنواع التفكير الجمعيّ.
ويبدو أن هذه الظاهرة تنطبق على الجماعات كما الأفراد، ويزداد (أعتقد) أثرها عند الأمم التي تفتقد للقيادة الحكيمة والدول النامية والعاطفية التي تفتقر للموارد العلمية والثقافة المجتمعية الواعية والمسؤولة التي تفكر عادة بطريقة متزنة وتحليلية.  
تجربة كورونا أظهرت لنا تخبط الكثير من الأمم وتميز البعض، فالفرق واضح ممن تأثر بظاهرة عربة الموسيقى في اتخاذ القرارات (وراهم وراهم)، إن أغلقوا أغلقنا وإن فتحوا فتحنا (طبعاً الطاووس ترامب (نعتذر من الطاووس) ظاهرة مستجدة غير مفهومة زي كورونا المستجد) ، وبين دول مثل ألمانيا وكوريا وتايلاند ونيوزيلاند وسنغافورة برهنت دور القيادة الفعالة والاستقلالية المهنية في اتخاذ قراراتها بناء على معلوماتها الدقيقة الخاصة بها، وبالتالي واتخذت التدابير الملائمة حسب إمكانياتها ولكل مرحلة. ربما الأهم من ذلك كله تناغم القرارات مع ثقافة المجتمعات ووعيها والثقة المتبادلة بين الحكومة والشعب رغم اختلاف فلسفات هذه الدول في القيادة.
ما تقدم لا يعني عدم الاستفادة من تجارب الدول، لكن يجب أن تكون بشكل مدروس بحيث يتم توظيفها بما يتلاءم مع طبيعة الدولة وثقافة المجتمع. ولا شك أن كل دولة لها أولوياتها ومراجعاتها بين تقديم الصحة على الاقتصاد أو تقديم الاقتصاد على الصحة كما هو حاصل في هذه المرحلة على ما يبدو، لكن كل حسب معطياته وتوقيتاته وأخلاقياته، وبالتالي "وراهم وراهم" بالتأكيد لن تكون مجدية، فالحفلة ليست حفلتنا.      

الاثنين، 25 مايو 2020

كيف عبرتِ يا أم فاطمة ؟




جلست فاطمة وحنان وأسماء حول أمهن يسألن وينهلن من حكمتها التي لا تنضب: "كيف نجحت يا أمي؟ كيف ربيتنا؟ كيف علمتنا؟ كيف كبرتنا لنكون أنجح بنات في عملنا وحياتنا، ما سرك؟ ما سرنا؟"
قالت الأم: "لست أنا بل هو تقدير العظيم وتدبير الرحيم"
قالت فاطمة: "وهل لك سر عند الله؟"
قالت: "نعم، لا يعلمه إلا الله"
قالت حنان: "وماذا عن الفلسفة التي ألهمتك في الحياة"
قالت الأم: "ذهبنا إلى السيرك ونحن صغار وانبهرت بعرض المشي على الحبل، وظلّت الصورة في مخيلتي أحللها وأتأمل فيها وكيف تمكن العارضين من المشي بثقة والوصول إلى النهاية بأمان"
قالت حنان: " وكيف ألهمك هذا العرض؟"
قالت الأم: "لما مات أبوكم المسكين، أصبحت الحياة مثل المشي على الحبل، لكن دون شباك الأمان في الأسفل، وكان عليّ المسير وتخطي الصعاب، تخيلت نفسي أصل خط النهاية منتشياً بالفوز أقفز فرحاً مهنئاً صبري وجلدي، ثم قررت ألا أنظر لخط النهاية حتى النهاية، ركزت على خطواتي الصغيرة لم ألتفت لأصوات التثبيط والشفقة والتشاؤم والحزن وصعوبة المسير وظلم الدنيا وهمها وحزنها وغلبة الدين وقهر الرجال، لم أفكر مثلهم في الارتفاع الكبير عن الأرض وماذا سيحدث إن سقطت، تركت خلفي كل الأشياء السيئة التي قد تحدث وركزت على الحاضر وكيف أنجو بيومي"
قالت أسماء: "وهل استعنت بشيء؟"
قالت الأم: "استعنت بصلاتي وبعيونكن تملأ الأمل الطويل في قلبي وتوازن عقلي مثل العصا الطويلة التي يحملها العارض، أما تجارب الحياة في كل خطوة فقد كانت تعلمني دروساً فأعدل من خططي مثلما يفعل الذي على الحبل يعدل هيئته وأخطاءه حسب ارتدادات الحبل وحركاته الدقيقة ".   

الجمعة، 22 مايو 2020

سافر مع أطفالك وأنت مكانك





منع التجوال في العيد لا يعني أننا يجب أن نجلس في البيت بل نستطيع أن نجوب العالم كله! اجمعوا أولادكم حولكم أو حول التلفاز واسألوهم عن وجهتهم السياحية الآن (ويين حابيين تتمشوا اليوم:)؟ في صحن الكعبة؟ عند قبة الصخرة؟ على سطح الأكروبوليس؟ تحت برج ايفل؟ أم بالقرب من بيج بن؟ أو حتى عند البيت الأبيض؟ هذه كانت جولتنا في هذا الفيديو، فماذا عنكم؟     

وكل عام وأنتم وأطفالكم بخير وسعادة 


الثلاثاء، 19 مايو 2020

لازم نعيد ولو في البيت



العيد يوم مميز للأطفال ويجب أن يظل كذلك مهما كانت الظروف والأزمات، بل من الأحرى أن نجتهد لإدخال السعادة إلى قلوبهم في هذه الأيام أكثر بسبب الإغلاق الحالي، ولتحقيق ذلك لابد من التخطيط من الآن بفعاليات ونشاطات بيتية مميزة عن الأيام العادية (على الأقل في اليوم الأول) ويمكن اشراكهم في ذلك. وهنا أشارككم باقتراح برنامج عشري متسلسل:  

١. صلاة العيد (مع التكبير) جماعة في البيت  
٢. تناول المعمول والشاي (حتى لو صغار معلش شوية كافيين في العيد:) 
٣. خلع البجامات ولبس ملابس الخروج (ممنوع نصف بجامة - انظر نقطة ٤ و٥) 
٤. أخذ صورة جماعية (لنتذكر كيف قضينا اليوم بإيجابية)  
٥. ترتيب اجتماع للعائلة الممتدة عبر الإنترنت فيسلم الأطفال على أقاربهم  
٦. عمل برنامج ترفيهي مع العائلة الممتدة (مسابقة باستخدام تطبيق Kahoot مثلاً)  
٧. تحضير طعام الأطفال المفضل 
٨. ابتكار ألعاب مشابهة لألعابهم الاعتيادية في العيد (مثلاً احنا البولينج رح نستخدم خشبات وبعض الكرات كما في الصورة) 
٩. أكل الكثير من الحسنات والحلويات 
١٠. وأخيراً وليس آخراً لا تنسوا العيديات

وكل عام وأنتم وأطفالكم بخير وسعادة 


الجمعة، 15 مايو 2020

صدفة في ذكرى النكبة





بينما كاد الليل ينتصف ليعلن عن ولادة يوم جديد هو الخامس عشر من مايو 2020، كنت أقرأ في نهاية كتاب المؤلف المبدع رول دال Going solo، وللأمانة كلمة مبدع قليلة بحقه كما نقول باللهجة الفلسطينية، يكفيك أن ترى الأطفال وهم يلتهمون كتبه ويستمتعون بها أكثر من الفوشار والشكولاتة، أنا عن نفسي التهمت ثلاثة كتب ورميت كتب العلم والإدارة جانباً خلال الأيام الماضية.
هذا الكتاب Going solo هو الجزء الثاني الذي يحكي فيه قصصه الشخصية ويتحدث فيه عن مغامراته وهو في العشرينات أيام الحرب العالمية الثانية وعمله في شركة شيل ثم العمل كطيار مع سلاح الجو الملكي البريطاني المعروف ب RAF، وفي آخر الكتاب يتحدث عن وجوده في حيفا ولقاءه مع أحد اللاجئين اليهود من ألمانيا كما قال، ودار حوار بينهم ترجمته بتصرف:
سألته "هل هذه أرضك؟"
قال "ليس بعد"
"تقصد أنك تأمل في شرائها؟"
نظر إلي وصمت فترة وجيزة ثم قال: "الأرض في الوقت الحاضر مملوكة لمزارع فلسطيني لكنه أعطانا الإذن للعيش هنا وسمح لنا بزراعة بعض الحقول لنأكل منها "
سألته "ما هي خطتك المستقبلية أنت والأيتام معك؟"
ظهرت ابتسامته من خلال لحيته السوداء وقال: "لن نذهب إلى أي مكان، سنبقى هنا"
قلت: "أي ستصبحون فلسطينيين"
قال: "لا، لا أعتقد أننا سنصبح فلسطينيين"
قلت: "ماذا إذن؟"
قال: "أنت شاب طيار، ولا أتوقع منك أن تفهم مشاكلنا"
سألته: "ما هي مشاكلكم؟"
قال: "أنت لديك دولة تعيش فيها وتسمى إنجلترا، لذلك ليس لديك مشاكل"
  
استمر الحديث بينهما عن الحرب والقتال بين إنجلترا وألمانيا التي لم يكترث بها إلا قليلاً حسب وصف دال ثم اختتم الحديث بينهما بكلام صادم ...   
قلت: "تقصد اليهود ليس لديهم بلد؟"
قال: "هذا بالضبط ما أعنيه". "لقد حان الوقت أن يكون لدينا بلد"
قلت: “ولكن كيف ستحصلون على بلد؟" النرويج للنرويجيين ونيكاراغواللنيكاراغويين ، إنه نفس الشيء في كل مكان "
قال وهو يحتسي قهوته "سنرى" ...
قلت ببراعة: "إذا هزمنا هتلر ربما ستعطيكم إنجلترا ألمانيا".
قال: "لا نريد ألمانيا".
قلت: "ّإذن ما هي البلد التي تفكرون بها؟"
قال: "إذا كنت تريد شيئاً بهوس كبير فأنك ستحصل عليه دائماً "
رتب على ظهري وقال:" أنت بحاجة لتعلم الكثير يا فتى، أنت فتى طيب ، انطلق في حربك من أجل الحرية مثلي"

انتهى الحوار واختتم الكتاب واصفاً رحلته إل بيت أمه في إنجلترا حيث الأجواء ماطرة أيضاً بالقنابل الألمانية.
طبعاً اتهم دال بالعنصرية وأنه ضد السامية في مواطن عديدة رغم أنه كان دائماً يوضح أنه ضد الصهيونية وليس ضد اليهود، ولولا أنه كاتب كبير لضاع بين الرجلين.
وفي الختام أقول لا يوجد هناك صدفة، بل كله تقدير من العزيز القدير أن أنتهي من الكتاب دقائق قليلة قبل يوم ذكرى النكبة وأستيقظ لأكتب ما كتبت وأترجم ما كتب دال وأنشره هنا لأتذكر يافا أبي وقدس أمي وحيفا حماي وعكا حماتي، وأذكّر من قرأ هذه السطور بفلسطين كل فلسطين لأنها كما قال درويش: "كانت تسمى فلسطين وصارت تسمى فلسطين".


الثلاثاء، 12 مايو 2020

لن نطير هذا الصيف




اقترب الصيف الذي جمع العيدين مؤخراً فتفنن المغتربين، وما أكثرهم من فلسطين، في تقسيم سفراتهم ليزيدوا من أوقاتهم مع أهاليهم ويستغلوا عيد أو اثنين ليكون جزء من إجازاتهم السنوية الصيفية ويهرب من الشمس من كان منهم في الخليج. 
لكن تغير الحال وأصبح هذا العام محال، لن نتسوق أو نتشوق قبل السفر بأسابيع، لن نشرب قهوة المطار ولن نصعد الطائرة كالعادة مستبشرين، سنفتقد صوت محرك الطائرة وهو يزمجر قبل الصعود ومنظر الغيوم تحتنا تغطي الجبال والبحار. وإن سافرنا مجدداً، ولا يبدو قريباً، فإننا قد لا نشرب القهوة وسنراقب الناس خوفاً لا فضولاً، وسنتجنب التجمهر وربما الجلوس، ولن نلمس شاشات التسلية كثيراً وسنتنفس من خلال الكمامات باقتصاد ولن نتعرف أو نتحدث إلى أحد.
هكذا فكر الكبار وتحسروا على الفرحة السنوية وكيف انتزع كورونا الحماسة من قلوب الصغار، لكنهم تفاجأوا بهم وبجلدهم وصبرهم، فلم يسخطوا بل اعتنقوا القدر خيره وشره. إيمان عجيب وفطرة سوية لم يخالطها انقطاع الأمل بل تأقلمت وانطلقت في خيالها لتخلق مهرجانات افتراضية ورحلات فضائية.
أما المساكين الكبار فهم في حيرة وملل، لا يستطيعون تخيل الصيف وهم على رأس العمل. خيالهم محدود فضاقت عليهم الأرض بما رحبت، مشاريع الاسترخاء والسهرات تبددت، ولا زعتر ولا زيتون، لأنهم هناك باقون. 


الثلاثاء، 5 مايو 2020

الإمبراطور التعيس




"أنت إمبراطور" لأن أقصى ما استطاع فرعون مصر أن يقتنيه من وسائل النقل كان عربة كارو يجرها حصان، وإمبراطور فارس كان يضيء قصره بالشموع وقناديل الزيت وقيصر الرومان كان يشرب من السقا، والإمبراطور غليوم كان عنده أراجوز، لكننا تعساء فمن عنده عربة لا يستمتع بها، وإنما ينظر في حسد لمن عنده عربتان ومن عنده زوجة جميلة يتركها وينظر إلى زوجة جاره. لقد أصبحنا أباطرة، ولكننا مازلنا نفكر بغرائز حيوانات. تقدمنا كمدينة وتأخرنا كحضارة، ارتقى الإنسان في معيشته وتخلف في محبته.
ما تقدم كان وصفاً رائعاً للمبدع د مصطفى محمود، لكني حذفت منه بعض النصوص وخصوصاً فيما يتعلق بنا اليوم وما هو متاح لنا لأن في وقت د محمود لم يكن هناك وسائل ذكية من بيت وهواتف وتلفزيونات وجوجل وفيسبوك ونتفلكس والعديد من وسائل الراحة التي وفرتها التكنولوجيا الحديثة. كلامه ليس بالبعيد زمنياً، لكن التغيرات التي حصلت في الحياة المادية كبيرة جداً ، وستتغير أكثر وستتطور المدنية أكثر. لكن الإنسانية لسبب ما لم تتغير فمازالت المظاهر المذكورة في مقالته موجودة بيننا بل ربما تعززت أكثر فأصبحت المقارنة لا تتعلق بالجار بل بالعالم كله حتى أن أحدهم قد يحسد رونالدو وميسي ويشعر بالتعاسة أن موهبته الكروية لم تحقق النجاح مثل ما حصل مع صلاح.
يقول بروفيسور كورنيل روبرت فرانك في كتابه المشهور "النجاح والحظ" أن الدلائل تبين أن الأغنياء في أمريكا لا يزدادون سعادة مع زيادة حجم بيوتهم إلا أن ذوي الدخل المتوسط والمحدود يقلدونهم ويحاولون الحصول على الأشياء المادية مثلهم ولو اضطروا للاقتراض.   
ها قد جاء كورونا برسالة بسيطة ليذكرنا بنعمنا وأهمية إنسانيتنا ووحدتنا وأن الحياة المادية مادية وآنية، وهناك معان أكبر من تحديث المدنية ، وكما قال أرسطو : طبيعي أن نسعى وراء سعادتنا "الهيدونيكية" المادية وسعادتنا "اليودومانيكية " المعنوية، أما أن تطغى الأولى فإننا سنصبح كالأنعام لا تفكر إلا بالمرعى ولا تحب إلا أن ترعى أو كما قال grazing animals.


الجمعة، 1 مايو 2020

كيف نواجه القلق في زمن الكورونا


The New York Times

مقالة مختصرة ومهمة من باحثين في جامعة ستانفورد تخبرنا كيف يمكننا تحويل القلق لصالحنا في أزمة كورونا من خلال 3 خطوات بسيطة:
1. اعترف به - حاول أن تصل للسبب الرئيس له وبشكل محدد (مثل موت قريب، المرض، فقدان عملك)، ولا تسجن نفسك بقلق كبير حول كل شيء.
2. تملكه - نعم غريبة وخصوصاً هذه الأيام، لكن في الحقيقة أنت لن تقلق إلا على شيء يهمك، لذلك لا تهمله بل حوله لطاقة إيجابية.
3. استخدمه – حول طاقتك إلى أشياء عملية، فإن كنت خائف على قريبك تأكد من التزامك الإجراءات الصحية.
قد يبدو ذلك كله تفاؤل كبير وغير واقعي لكن، ما هو خيارك الآخر أن تستسلم للقلق ويزداد الوضع سوء! تخيل نفسك بعد الأزمة، هل ستكون فخوراً بنفسك وكيف تغلبت على خوفك واستفدت من وقتك وخدمت مجتمعك (ولو بالبقاء في المنزل)؟ أم أنك استسلمت وخبصت 
- انتهت ترجمتي لأهم ما جاء في المقالة ، طبعاً "خبصت" من عندي :) –

أهم من ذلك كله أن تتذكر أن الله هو الصمد، سيكفيك ويأويك ويحميك حين تناجيه، وقد أخبرك أن الكون كله لو اجتمع عليك فلن يضرك إلا بشيء قد كتبه الله لك، " قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ"، فتوكل عليه وتضرع إليه وتقرب منه واحتسب وردد: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.




الأربعاء، 29 أبريل 2020

القيادة المتكاملة - لا توازن بين العمل والحياة




مقطع من محاضرة تفاعلية بعنوان "تطوير الذات للتعامل مع الأزمات، وكورونا بالذات. نتحدث عن كتاب القيادة المتكاملة لفريدمان والتي من خلالها نستطيع قيادة حياتنا دون الحاجة الى توازن بين العمل والحياة

الاثنين، 27 أبريل 2020

ما أجمل قيادة السيارة يا كورونا




لست مغرماً بالسيارات ولا أحب قيادتها مهما كان نوعها، لكني اليوم استمتعت كثيراً في مشوري هذا الصباح، شعرت لوهلة أني قبطان سفينة نرويجي أو طيار بريطاني، يلتهم الطريق بسرعة كبيرة. شعرت بحرية غريبة وحركة ديناميكية رهيبة، أصبح كل شيء يتحرك حولي مثل السيارات، الأشجار والأحجار والبنايات. نعم لقد أصبحت اليوم مغرماً بقيادة السيارات وبكل العادات، عاداتنا الاعتيادية وممارساتنا الحياتية الخارجية، لن أشكو منها ولن أسميها مملة ولو كنت أمشي مسيرة نملة.



هذا ما يفعله الصابون بكورونا


سألني أبنائي عن أهمية الصابون في غسل اليدين للقضاء على كورونا ، فشرحت لهم برسومات بسيطة وأعجبتهم فقمت بتصميم هذا الفيديو البسيط بهدف توعية الأطفال ، فالفهم يعزز من الالتزام.





الخميس، 23 أبريل 2020

في فلسطين العبرة مضاعفة




كنت قد كتبت في عام 2012 عن ظاهرة اجتماعية تسللت إلى مجتمعنا ونهشت من قدرتنا على الصمود وذلك بتربيط الكثير بالقروض الاستهلاكية وأقتبس هنا" ليس بالبعيد يوم كنا نخرج أيام منع التجول في الانتفاضة الأولى والثانية لنشتري الحاجيات ونقفز هنا وهناك مستمتعين بالمغامرة في فورة الشباب المبكر، أذكر أن رفوف المحلات خلت إلا من منتجات التنظيف والغسيل، لكن كان الجار للجار أخ وصديق وقت الرخاء والضيق. كانت المشاعر جميلة والرزق وفير رغم الاقتصاد العليل، فالخير ليس بالكم الكثير وإنما هي بركة الجليل. الرضى والقناعة كانت المفتاح الذهبي لنجاح تلك المرحلة العصيبة، لا أدري كيف أدار الناس أمورهم لولا تدبير الكبير. مرت تلك الأيام بسلام وظلت ذكريات الانتصار والقدرة على مقاومة الحصار بشجاعة الصغار وحكمة الكبار"
الشعب الفلسطيني علّم العالم معنى الصمود في تجارب عديدة، ويجب أن يتعلم أكثر من أي أمة أخرى دروس الحياة القاسية مثل كورونا، لأنها ستظل تزورنا باستمرار ما دام هناك احتلال، وبالتالي يجب ألا ننساق وراء سراب الاستهلاك الثانوي ونقع في شراك السوق الذي "يصطادنا" ويتلاعب بنا مستغلاً ضعفنا النفسي كما ذكر مؤلفا كتاب Phishing for Phools وهما اقتصاديان بارزان حاز كليهما على جائزة نوبل (هذا بده بوست منفصل إن شاء الله).
هناك دروس عديدة للعالم كله من أزمة كورونا وفي كل المجالات، وفي حالة فلسطين الخاصة العبرة مضاعفة، فتحصين بيتنا الداخلي ضروري، لنكون أقدر على الصمود في مواجهة العواصف القادمة التي لن تنهي إلا بزوال الاحتلال الجاثم على صدورنا واقتصادنا.   

الأربعاء، 22 أبريل 2020

كيف نتعامل مع تعليم الأطفال في البيت





قرأت مقابلة سريعة مع بروفيسور ايفا بوميرانتز المتخصصة بعلم النفس في جامعة إلينوي، ولخصت أهم النقاط التي أعجبتني فيما يتعلق بدعم الوالدين للأطفال لاستمرار تعلمهم في البيت رغم الحجر المنزلي.
1.    متابعة الوالدين مهمة لكن يجب أن تكون متوازنة، نعطيهم الحرية والاستقلالية مع متابعة وتوجيه ومراقبة أية ضغوطات نفسية.
2.     تصميم روتين جديد يتوافق مع متطلبات الجميع وبالتالي المرونة مهمة.
3.    يجب أن يمتنع الوالدين من التدخل بشكل كبير في الوظائف ومحاولة إنجاز كل شيء بشكل مثالي
4.    لا داعي للقلق من موضوع أن نكمل المنهاج في كل شيء، المهم التعلم وجودته وليس الكمية، وقد تعطيهم فرصة للتعلم ولو بعيداً عن المنهاج مثل عمل كيك أو أوريجامي مثلاً.
5.    تذكروا الهدف تعلم المفيد في هذه الأوقات وبشكل مرن، واشراك الأطفال والرفق بهم ركيزة أساسية في هذه الأوقات الصعبة.

المصدر باللغة الانجليزي هنا   

الثلاثاء، 21 أبريل 2020

التقليد يحتاج إلى تقييد





حسب مقالة ام أي تي بالأمس ، هناك توجس كبير بسبب نقص البيانات وصعوبة التنبؤ بخطر رفع قيود الحركة، وتخفيف القيود يجب أن يكون مصحوبأ بأنظمة متابعة دقيقة حتى يتم تحديد أي خطر انتشار جديد ، لكن يظل عزل الحالات وزيادة الفحوصات العشوائية هو الاستراتيجية المثلى لاتخاذ القرارات.  
الدول البسيطة (وقد تكون معذورة) تنظر إلى تجارب الدول وتتبعهم على غير علم أو مضطرة بسبب الوضع الاقتصادي لكن الفرق شاسع والتقليد لا يجب أن يكون على غير هدى بل مبني على فهم سبب القرارات التي اتخذت في تلك الدول. كوريا وآيسلاند وألمانيا مؤخراً تقوم بفحوصات هائلة (120 ألف في اليوم) (أنظر مقالة الاندبندنت) بينما بريطانيا وأمريكا تعانيان ، بريطانيا لن تفتح لأنها لا تعلم حجم المشكلة ووضعت هدفاً مثل ألمانيا فيما يتعلق بالفحوصات حتى تتخذ إجراء الفتح عن علم ، أما الفرعون المتعجرف ترامب فمنهجيته أنا أفهم واحد فيكم وبدي أفتح (مع أنه بلش يلين كالعادة) ! 
جونسون وميركل أبديا قلقهما حسب جريدة الجارديان البريطانية بعودة المرض مع موجة جديدة. وتقول الصحيفة أن التجارب السابقة مع الأوبئة حصلت فيها موجات ثانية وبالتالي يتوجب الحذر في موضوع تخفيف القيود ، وضربت مثالين حيين هما الصين وسنغافورة، نعم سنغافورة التي مدحها الكثير (وأنا منهم) في طريقة إدارتها للأزمة وسيطرتها على الوضع ، ثم خففت القيود وجاءتها الموجة مذ حيث لا تحتسب فعادت بسرعة وبكل شفافية وهذا يحسب لرئيس الدولة المحترم الذي قال :"يجب أن لا نتسرع بالفتح وسنستفيد من تجربة نيوزيلاند وألمانيا اللتان بدأتا بالفتح بعد التأكد من كسر سلسلة انتشاره ، ومع ذلك يقومون به بحرص شديد." وهنا نص خطابه الكامل.

الأحد، 19 أبريل 2020

كورونا - هل هي معركة بين الاقتصاد والصحة؟





سخر الاقتصادي الشهير الحائز على جائزة نوبل بول كريجمان في مقالته قبل أيام (بعد ما مسح البلاط في ترامب وعصابته) من "قيصر" التجارة عند ترامب الذي يظن أن الاقتصاد الضعيف سيقتل الناس أكثر من الفايروس. وقال: "من يتحدث عن عراك بين الاقتصاديين وخبراء الصحة مخطئ"، وأكمل أن الاقتصادي "الفهمان" يعرف ما لا يعرف ويحترم أهل الاختصاص. (وهنا أحيي (أنا مش كريجمان) المدرب الحبيب يورجن كلوب عندما رد على الصحافي في بداية الأزمة وقال بما معناه "اسألوا أهل الخبرة").
يشير كريجمان في مقالته إلى مسح شمل مجموعة كبيرة من الاقتصاديين المعتبرين الذين يؤيدون تحمل انكماش كبير في الاقتصاد حتى ينخفض انتشار المرض بشكل كبير. وينهي مقاله القصير بقوله أن من يطالب بفتح الاقتصاد هم "المتعجرفون" والمنتفعون، أو كما يقول مجموعة من الأغنياء الذين يعتقدون أنهم أذكى من الآخرين لأنهم فقط أغنى منهم.  
لقد فرحت بهذا المقال الذي يأتي من شخص متخصص يدعونا للتمهل، صحيح أنه يتحدث عن أمريكا، لكن الفلسفة التي يقدمها هي الأهم. وبالتالي حري بنا في أوطاننا أن نتمهل أيضاً ونتشارك ولا ندع الاقتصاديين "يفتون" وحدهم في هذا المضمار ولا يتنازعون مع خبراء الصحة، فلطالما نظّروا علينا بموضوع رأس المالي البشري (الصحة والتعليم) وأنه المساهم الأكبر في النمو الاقتصادي وديمومته.
أعتقد أن الموضوع أكبر بكثير، وقد يواجه العالم مشكلة أخلاقية إذا ظل متمسكاً بالنظرة المادية وأعتقد أن "المتعجرفين" عندهم بدأوا يهمسون أن الكبار أصلاً عالة علينا وغير منتجين والمستقبل للصغار. وأذكر هنا تجربة شاركت بها وقرأت تقريرها لجامعة MIT   العريقة لتصميم المنظومة الأخلاقية للسيارت الذكية وكيف سيتصرف نظام الذكاء الاصطناعي مع المعضلات الأخلاقية ethical dilemma وقد بينت أن نسبة أكبر عند الغرب يفضل أن يضحي (يدعس) الكبير وينقذ الصغير إذا اضطر لذلك.   
أما نحن والحمد لله لا نتخذ قراراتنا من منطلق مادي بحت فعندنا فكر أخلاقي واجتماعي رصين، فكبارنا كبارنا وأهلنا الذين ربونا وعلمونا مثلهم مثل صغارنا فلذات أكبادنا ومستقبلنا، لا نفرق بين أحد منهم ولن نضحي بأحد فكلها أرواح نقية وإزهاق واحدة أعظم من هدم الكعبة حجراً حجراً كما وضح نبينا صلى الله عليه وسلم.  
أعتقد أن عالمنا العربي - وفلسطين بالتحديد - قادرة على الصمود ، وقد صمدنا وصمدت غزة والقصف فوق رؤوس أهلها وصمدنا في انتفاضتين بسبب المنظومة الاجتماعية القوية رغم تقهقرها مؤخراً، تظافر جهود الحكومة والقطاع الخاص والأهلي وربما الأهم تفقد كل جار جاره كفيل بأن يجعلنا نصبر أكثر ونحاصر المرض ونتفوق على أمريكا وأوروبا، لا أبالغ لكني أعلم أننا أقدر على حياة بسيطة وقد كان رغيف طابون وزيت زيتون وبصلة قوت يومنا (كما كانت تقول ستي) ، وما عهدنا بالرفاهية إلا قصير ، فلنصبر ولنستمع لبعضنا ولنتعاضد ولنضرب مثالاً للعالم في تفوقنا الإنساني رغم فشلنا المادي.