تدخلت مؤخرًا حكومات متنوعة ما بين ديمقراطية متحررة ومركزية متشددة ووضعت حدًا أدنى لسن مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي، وصل بعضها إلى سن السادسة عشرة مثل أستراليا والنرويج. كلها اتفقت على المصلحة العامة لشعوبها ومستقبل أطفالها فتحركت وواجهت "ديناصورات التكنولوجيا" العملاقة عابرة القارات (ولو أنّ الديناصورات لم تنقرض لرفضتْ تشبيهي هذا بها). تلك الشركات التي تدار بأنانية مفرطة لا يشبع أصحابها من المليارات ولا من تسلّق سُلّم أغنى أغنياء العالم العشرة، شركات همها كنز المال وتسليع البشر وتوجيههم والتأثير عليهم ولو كان على حساب مشاعرهم وحياتهم ومستقبل أطفالهم.
وما دخول مواقع التواصل الاجتماعي ضمن قائمة الممنوعات الضارة للصغار مثل السجائر والكحول والقمار (وهي في ثقافتنا غير مقبولة ولا حتى للكبار)، إلا دليل على عِظم أثرها السلبي. ولا نبالغ إن قلنا أن لا حاجة إلى تفحص الدراسات العلمية -رغم كثرتها الآن- لنكتشف التأثير السلبي لمواقع التواصل الاجتماعي على الصغار، فيكفي أن تراقب من حولك وستلاحظ بنفسك. وإن لم تستطع مراقبة من حولك ففتش في نفسك أيها الأب وأيتها الأم، وستلاحظ أننا نحن الكبار المتعلمين القارئين الفاهمين المجربين نعاني أحياناً ونحتاج إلى استخدام أدوات سلوكية وتقنية تعيننا على التعامل معها بأحسن الوسائل، وننجح حينًا ونفشل أحيانًا، فكيف بالأطفال الصغار؟ كيف لهم أن يقاوموا هذه الأعاصير الجارفة التي تهب عليهم كل حين وهم مكشوفون أمامها، فأدمغتهم مازالت في طور النمو ولا تملك القدرة البيولوجية على "فلترة" المحتوى أو إدراك مخاطر الخوارزميات ولايملكون أي من أدوات المقاومة، ويكأن الواحد فيهم ريشة في مهب الريح، وخصوصًا عندما يتركون في المعركة وحدهم ودون دعم أهلهم.
أطفال في مواجهة خوارزميات لا ترحم
ينام
الأطفال ويستيقظون على شاشات متلاحقة وومضات ملونة ولقطات لفنانين وفنانات ولاعبين
ولاعبات فيقومون بعمل مقارنات وحسابات ومتابعات ولايكات ويتعرضون للقطات ملائمة
وغير ملائمة ولحظات إحباط أو معاناة من تنمر رقمي، ثم ينتقلون إلى تقليد أعمى وسعي
وراء إرضاء ذوق الآخرين وموافقتهم على أشكالهم أو طريقة حياتهم أو آرائهم، مما قد
يدفعهم إلى الانسلاخ عن هويتهم واتباع أقرانهم أو من يتابعونهم رقميًا ولو على
حساب سلامتهم الصحية وسلامهم النفسي. وقد أظهرت دراسة معتبرة من جامعة بنسلفانيا
عام 2018 شملت 143 طالبًا جامعيًا، أن التقليل من وقت استخدام وسائل التواصل
الاجتماعي ولو لدقائق معدودة يوميًا من شأنه أن يقلل من أعراض الاكتئاب ويخفف من
الشعور بالوحدة. وفي دراسة أجريت في مستشفى الأطفال بمعهد بحوث شرق مدينة أونتاريو
الكندية وشملت أكثر من خمسة آلاف طالب تراوحت أعمارهم بين 11 و20 عامًا أن الطلاب
الذين يستخدمون مواقع التواصل الاجتماعي بكثرة يتأثر نومهم بشكل سلبي.
وقد ذكر غيوم شاسلو الذي عمل مع يوتيوب سابقًا أن هناك جيشًا من المبرمجين همهم الوحيد تصميم خوارزميات التوصية التي تجعل المستخدم يتمسمر أمام شاشته لساعات، ومع تعدد الشركات وازدياد المنافسة ازداد التنافس على انتباه المستخدمين أكثر ولو أدى ذلك إلى فصلهم عن ذاتهم وعائلاتهم ومجتمعهم ليظلوا في عالم افتراضي يستهلكهم ولو صغر سنهم ودون انتباههم. تخيل كيف سيكون حال أجيال قضت طفولتها مدمنة على مواقع التواصل الاجتماعي! كيف لأدمغتهم أن تستطيع قراءة كتاب أو تستمتع برواية، أو تحل مسألة معقدة، وقد جُبلت على استهلاك المعلومات القصيرة السريعة، وباتت أسرى للذة فورية وتشتت انتباه مزمن ودفقات دوبامين متلاحقة لا تنتهي .
المعركة لم تعد فردية
أذكر
قبل حوالي عشر سنوات اتهام أحدهم لي بالدكتاتورية بسبب تشددي مع أطفالي في
استخدامهم التكنولوجيا وهم صغار، لكني اليوم أحمد الله أن وفقني لاتخاذ واحد ربما
من أهم قراراتي العائلية وهو حماية أطفالي الذين تجاوز سنهم الخامسة عشرة اليوم،
ومازالوا لا يملكون حسابًا في أي من مواقع التواصل الاجتماعي.
نتمنى
من المسؤولين في بلادنا كلها أن يتبنوا مثل سياسات هذه الدول قبل فوات الأوان
لأننا لا نملك رفاهية الانتظار، ومطلوب من مؤسسات المجتمع المدني التدخل من خلال
حملات توعوية ومبادرات شعبية لحماية مستقبل أطفالنا، فمعركتنا كآباء لم تعد معركة
فردية، بل أصبحت قضية صحة عامة وأمن اجتماعي.

تعليقات
إرسال تعليق