التخطي إلى المحتوى الرئيسي

منظومة التربية والتعليم

 


توقفت بالأمس عند هذه الصفحة من الرواية الرائعة To kill a Mockingbird التي نشرت عام ،١٩٦٠ وتتناول حقبة ثلاثينات القرن الماضي في الولايات المتحدة. في مشهد معبّر عن روح الرواية (بتصرّف) تقول الطفلة الشقية الذكية البهية سكوت لأبيها المحامي الدمث؛ 

"هل تدافع عن "السود n****s"؟  "

فرد عليها: "طبعاً، ولا تقولي "السود"! هذا لا يليق" (وكانت العنصرية في تلك الفترة في أوجها وخاصة في الجنوب). 

فقالت: "لكن الجميع في المدرسة يقولون ذلك" 

الأب: "من الآن فصاعدًا سيصبح العدد؛ الجميع ناقص واحد"

سكوت: "حسنًا، إذا كنت لا تريدني أن أكبر وأنا أتحدث بهذه الطريقة، فلماذا ترسلني إلى المدرسة؟"

وفي موقف آخر سابق في الرواية نفسها، تغضب سكوت من معلمتها التي لم تستسغ نبوغها وما تعلمته في المنزل وأصرت أنها مصدر العلم والتعلم من الآن فصاعدًا دون مراعاة مستوى سكوت المتقدم.

تأملت وأنا أقرأ هذه السطور - رغم بعدها عن الموضوع الرئيسي للرواية - في أهمية تكامل منظومة التربية والتعليم وما تشمله من فواعل متعددة تُسهم مجتمعة في تشكيل شخصية الطفل منذ نعومة أظافره، فالمدرسة على أهميتها تظل جزءًا من هذه المنظومة وليست كل شيء، ولا يصح أن يُنظر إلى العملية التعليمية وكأن الأطفال مواد خام تدخل المصنع من جانب وتخرج من الجانب الآخر منتجات جاهزة حسب المواصفات، فأولياء الأمور لهم دور محوري، لا سيما في المراحل المبكرة، وكذلك الجهات الحكومية والمجتمع المدني والشركات الخاصة وغيرها من الجهات الفاعلة ذات الصلة بالعملية التربوية والتعليمية. 

ويبدو أن هذه التجاذبات مازالت مستمرة في زماننا، وإن بصيغ مختلفة وسياقات جديدة. لكن مادام هناك انفصال وعدم تواصل بين الأطراف المعنية (أصحاب المصلحة stakeholders ) في العملية التعليمية ، فإن النشء سيخرج مشوشاً وربما مشوهاً، بسبب تناقض المبادئ والأهداف والوسائل ولو تعددت مساراتها ووسائطها. 

نعيش اليوم في عصر أخطر وأسرع وأوسع وأكثر تعقيدًا من أي وقت مضى، فتناغم مساعي الفاعلين في المنظومة التعليمية أصبح إلزامي لمواجهة التحديات المستجدة حيث تصدر بعض "المؤثرين" على وسائل التواصل الاجتماعي المشهد، وأصبحوا منهل التربية والتعليم والمعرفة والثقافة لشريحة واسعة من متابعيهم  followers ولو على غير هدى، وعابر لحدود تتجاوز خصوصيات الثقافات المحلية للمجتمعات المختلفة.

ومن هنا تأتي أهمية الحوار الفعال في كافة الجوانب والاتجاهات والتفاعل مع المتعلمين ومحاولة فهم تصوراتهم وتوقعاتهم ومتطلباتهم ودورهم للتقدم سويًا في مسار العلم والمعرفة والتعلم ضمن منظومة أخلاقية منسجمة مع ثقافة مجتمعاتنا، وبنهج ديناميكي نتطور فيه معاً، بدل الاكتفاء بانتظار نتائج التقييم المتأخر، أو ما يسميه الأكاديميون التقييم النهائي (Summative Assessment).


*ملاحظة: النصوص المظللة بالأسود من المصدر، فهذه النسخة كتاب مدرسي استعرته من ابنتي :) 

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

سماء الضفدع

سأروي لكم قصة قصيرة تناولتها ثقافات عديدة أهمها وربما أصلها الصينية القديمة، إنها قصة ضفدع البئر لكني سأرويها لكم بصبغة عربية دون تحريف شديد إلا ما أجبرتني عليه خلجاتي وكلماتي فلغتنا العربية الجميلة تأبى إلا أن تجمّل المفردات.   عاش ضفدع طوال حياته في بئر سحيق كان يستمتع بحياته مستلقياً في القاع ينظر للسماء وزرقتها وجمال السحاب وهو يمر مشكلاً لوحات بيضاء سريعة وبطيئة مثل لحظات الحياة. كان هذا عالمه الذي تقوقع فيه وظن أن عيشته لوحده هي الأفضل والأمثل، حتى جاءت سلحفاة وأطلت عليه برأسها الصغير الذي غطى جزءاً كبيراً من الضوء من أعلى فلفتت انتباه الضفدع. قالت السلحفاة : "كيف أنت اليوم أيها الضفدع؟" رد عليها وقد نفخ أوداجه واخضر خضاره وقال: "أنا كما ترين أسبح في هذا الماء الراكد الساكن الهادئ أمتع ناظري في الموج الذي أفتعله على مزاجي وقدر حجمي وعندي من البيوت بعدد الحفر المنتشرة في جوانب البئر، أختبئ فيها من المطر وكلما ارتفع منسوب الماء اعتليت بيتا (حفرة) أعلى. طعامي كما تعلمين حشرات تائهة جذبها الماء الداكن ورائحته المعتقة، تعالي واستمتعي معي لأخبرك عن تجارب...

البكور : سر من أسرار النجاح

البكور : سر من أسرار النجاح إذا كانت "افتح يا سمسم" كلمة السر لفتح كنز علي بابا، فإن "السر" الذي سأذكره هنا ليس بمعناه الحرفي بل هو المفتاح الذهبي لأبواب الانجاز وتحقيق النتائج التي قد تتفوق على الاهداف أحياناً. إنه ببساطة "بركة البكور"، البكور إلى العمل كموظف، طالب، تاجر، كاتب، ربة بيت، أو حتى متقاعد. لن أسوق لكم أمثلة عالمية مثل تاتشر وغيرها (أنظر المقالة  هنا  ) لكني سأخبركم عن تجربتي الشخصية المتواضعة إلى الآن، أدام الله علينا وعليكم نعمة التوفيق في العمل والعائلة والمجتمع و تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال ، (سامحوني الجملة المعترضة صارت خطبة جمعة :) أستطيع أن أعزو جزء كبير من سبب تفوقي في المدرسة والجامعة والعمل إلى اجتهادي وبدأ نشاطي اليومي مبكراً. لن أبالغ إن قلت إن الفعالية تكون ضعف الأوقات الأخرى، وقد يختلف البعض في ساعة النشاط لهم كما يقولون، لكني متأكد أنهم سيلاحظون فرقاً كبيراً إن جربوا ذلك بشرط أن يعيدوا برمجة أدمغتهم بحيث يتوقف حديث النفس بشكل سلبي مثل: " ما بعرف أشتغل الصبح، بكون نعسان، ما بعرف أنام بدري، ما بقدر أصحى الصبح، م...

الأسد الجريح

يهرول الأسد الجريح الى المجهول، تنطحه الحمير الوحشية، تسخر منه الغزلان، وتتذكر قصص شبابه الطيور وكيف كان زئيره يهز الصخور وتحترمه العقول وتهابه وحوش الغاب. شاخ وشاب في عالم مادي لا يرحم. اليوم لا بواكي له، تداعت عليه الأكلة ونهشت جسمه. تزداد هرولته بسرعة وخوفاً من المجهول، لقد جعله المنحدر أسرع رغم ضعفه ووهنه، سلّم للتعب واقترب من نهاية المنحدر حيث النسور تنتظره كمشروع جثة هامدة وعشاء ملوكي.         حاله ساء الضعيف فهو ناصر المظلومين وضابط الأخلاق ومقيم العدل، أصبح الهرج ملح الأيام في غيابه وتفككت البلاد وتنكر العباد. يزداد الكره والحسد والبغضاء وتسيل الدماء، في حين تتفجر الطاقات في الغوغاء، يتنطح الفاسدون ويتمختر المنافقون، يعوم على السطح الغثاء وتختفي الدرر في الأعماق.   لكن سنة الطبيعة أن تتغير وتتبدل، لا بد أن يطوف المرجان وتتفتح الأصداف. لا بد للأسد أن يزأر من جديد ما دام القلب ينبض بالحب، ستبعث الحياة وسينتشي الجسد من جديد فالفكر لا يموت ما دام في السطور والصدور. إنما نحتاج تطبيقاً عصرياً وابداعاً علمياً، تخطيط وتنظيم وإتقان،...