التخطي إلى المحتوى الرئيسي

تخدم تسلم يا "جار" ... لا خيار ولا قرار

 


تراجعت فكرة الرأسمالية والسوق الحر مع حصول الكساد الكبير وسرعان ما ظهر الفكر الكينزي الذي يتبنى ببساطة دور تنموي كبير للدولة، وتبنى ذلك الفكر الرئيس روزفلت من خلال قيامه بما سمي الصفقة الجديدة The New Deal، واستمرت قصة النجاح "الغربية" بعد الحرب العالمية الثانية وخصوصاً في الخمسينات والستينات، لكنها حتى في بلادها ظلت قصة نجاح الرجال البيض كما يقول جيسون هيكل في كتابه الرائع الصريح The Divide والذي اعتمدت عليه في كثير مما كتبت في هذه المقالة القصيرة ومازالت أقرأ فيه، وأنصح الجميع بقراءته لنفهم النظام الاقتصادي العالمي الجائر.

تزامن ذلك مع بداية تحرر واستقلال دول الجنوب التي رأت في ذلك النموذج ما يصلح لها مستفيدة من فشل ونجاح محاولات التجربة الغربية وعادة ما يتبع المستعمَر خطى المستعمِر لظنه أنه أفضل منه كما يقول ابن خلدون. وحتى نركز على أمريكا اللاتينية اليوم بسبب أخبار فنزويلا والنمرود المتنمر ترامب، فقد كان للرئيس التقدمي "الملهم" روزفلت كما رأيناه في فيلم Night at the Museum (وكلهم مجرمين مهما حاولت هوليوود تلميعهم) دور مهم فيما سمي بسياسة "الجار الجيد" والتي تتمثل باحترام سيادة دول أمريكا اللاتينية وأنهت تاريخ طويل من العربدة والتدخلات بشؤون هذه الدول.

بدأ عصر "التنموية" في أمريكا اللاتينية وبلغت مستويات النمو الاقتصادي أرقاماً مبهرة خلال الستينات والسبعينات وتفوقت على نظيراتها الغربية في فترة الثورة الصناعية وبلغت ستة أضعاف النمو مقارنة بالأرقام وهي تحت الاحتلال، تم تأميم الموارد المحلية كالنفط وحماية الصناعات الناشئة وتعزيز سياسة إحلال الواردات وتوزيع الثروات وغيرها من مقاييس إيجابية في اللغة الاقتصادية والاجتماعية الوطنية، وبدأ التعاون ما بين دول الجنوب وغيرها من الإيجابيات، فهل صفق الغرب فخراً بتلاميذه النجباء؟ كلا، فقد تأثرت مصالحهم بشكل مباشر فلا عمالة رخيصة ولا مواد أولية رخيصة ولا سوق كبير مستهلك ولا حركة رأس مال سهلة واستغلال من قبل الشركات العالمية العابرة للحدود، وخصوصاً الشركات النفطية. هنا تنبه الغرب وبدأ عصر الانقلابات عند فشل المفاوضات التفضيلية، وكل من لا يخدم لا يسلم، ولأن الفكر الكينزي حميد الخصال، تم شيطنته داخلياً ووسمه بالشيوعية وانطلق قطار الاستعمار الاقتصادي، إما أن تقبل به وتذعن أو يتم التخلص منك بكل بساطة وعلى عينك يا تاجر، ويذكر هيكل في كتابه تفاصيل كثيرة من القصص التي تم فيها تصفية رؤساء الدول المعارضين للهمينة الغربية في أمريكا اللاتينية وافريقيا وآسيا، وهذا لم يقتصر على أمريكا بل معظم الدول الأوروبية المستعمرة التي ما تقدمت وتطورت لولا الثروات التي نهبتها من دول الجنوب كما وضح هيكل، وما زال الغرب متمسكاً باستراتيجيته من خلال أدوات مختلفة ناعمة وخشنة حسب كل حالة وتظل تتمنن على الجنوب بمساعدات إنسانية سنوية لا تثمل شيئاً مما يسرق كل سنة.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

سماء الضفدع

سأروي لكم قصة قصيرة تناولتها ثقافات عديدة أهمها وربما أصلها الصينية القديمة، إنها قصة ضفدع البئر لكني سأرويها لكم بصبغة عربية دون تحريف شديد إلا ما أجبرتني عليه خلجاتي وكلماتي فلغتنا العربية الجميلة تأبى إلا أن تجمّل المفردات.   عاش ضفدع طوال حياته في بئر سحيق كان يستمتع بحياته مستلقياً في القاع ينظر للسماء وزرقتها وجمال السحاب وهو يمر مشكلاً لوحات بيضاء سريعة وبطيئة مثل لحظات الحياة. كان هذا عالمه الذي تقوقع فيه وظن أن عيشته لوحده هي الأفضل والأمثل، حتى جاءت سلحفاة وأطلت عليه برأسها الصغير الذي غطى جزءاً كبيراً من الضوء من أعلى فلفتت انتباه الضفدع. قالت السلحفاة : "كيف أنت اليوم أيها الضفدع؟" رد عليها وقد نفخ أوداجه واخضر خضاره وقال: "أنا كما ترين أسبح في هذا الماء الراكد الساكن الهادئ أمتع ناظري في الموج الذي أفتعله على مزاجي وقدر حجمي وعندي من البيوت بعدد الحفر المنتشرة في جوانب البئر، أختبئ فيها من المطر وكلما ارتفع منسوب الماء اعتليت بيتا (حفرة) أعلى. طعامي كما تعلمين حشرات تائهة جذبها الماء الداكن ورائحته المعتقة، تعالي واستمتعي معي لأخبرك عن تجارب...

عندما يتفوق العبد على سيده

  شاهدت معظم الأفلام المرتبطة بمعضلة أحبابنا الأفارقة ومعاناتهم في أمريكا وكثير منها مؤلم جداً وخصوصاً تلك المبنية على قصص حقيقية، أم فيلم Django Unchained فهو تحفة دموية لكنها مبهجة حيث ترى "العبد" جانجو حراً طليقاً يفتك بالمجرمين البيض ومنهم "أسياد" سابقين له وكلهم مطلوبون للعدالة وكان ذلك العمل حينها قانونياً بل وتضع له الحكومة جوائز نقدية. ننتقل إلى المشهد الذي يترقب فيه المشاهد وينتظر اللحظة الرومانسية التي اقترب فيها جانجو من تحرير زوجته بعد أن تحرر وأصبح صديقًا وشريكاً للطبيب الألماني شولتز (لازم يكون الأبيض إله دور إيجابي في هوليوود حتى لو كان أوروبي وهذه مقصودة كمان) الذي قرر مساعدته لتحرير زوجته من العبودية بعد أن عرف أنها تعيش في مزرعة الإقطاعي كاندي الذي يمتلك الكثير من العبيد (اللي بده يحضر الفيلم ما يكمل قراءة!). تسير كل الأمور على ما يرام حتى يلاحظ رئيس الخدم علاقة خفية صعب إخفاءها بين الزوج وزوجته، وقد كان رئيس الخدم ستيفين معروف بولائه الذي لا يعرف الحدود والمصلحة المادية بل ظهر متيماً بسيده وأكثر غلظة منه على سائر العبيد، واكتشف خطة جانجو وا...

البكور : سر من أسرار النجاح

البكور : سر من أسرار النجاح إذا كانت "افتح يا سمسم" كلمة السر لفتح كنز علي بابا، فإن "السر" الذي سأذكره هنا ليس بمعناه الحرفي بل هو المفتاح الذهبي لأبواب الانجاز وتحقيق النتائج التي قد تتفوق على الاهداف أحياناً. إنه ببساطة "بركة البكور"، البكور إلى العمل كموظف، طالب، تاجر، كاتب، ربة بيت، أو حتى متقاعد. لن أسوق لكم أمثلة عالمية مثل تاتشر وغيرها (أنظر المقالة  هنا  ) لكني سأخبركم عن تجربتي الشخصية المتواضعة إلى الآن، أدام الله علينا وعليكم نعمة التوفيق في العمل والعائلة والمجتمع و تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال ، (سامحوني الجملة المعترضة صارت خطبة جمعة :) أستطيع أن أعزو جزء كبير من سبب تفوقي في المدرسة والجامعة والعمل إلى اجتهادي وبدأ نشاطي اليومي مبكراً. لن أبالغ إن قلت إن الفعالية تكون ضعف الأوقات الأخرى، وقد يختلف البعض في ساعة النشاط لهم كما يقولون، لكني متأكد أنهم سيلاحظون فرقاً كبيراً إن جربوا ذلك بشرط أن يعيدوا برمجة أدمغتهم بحيث يتوقف حديث النفس بشكل سلبي مثل: " ما بعرف أشتغل الصبح، بكون نعسان، ما بعرف أنام بدري، ما بقدر أصحى الصبح، م...