الجمعة، 4 نوفمبر 2016

سماء الضفدع





سأروي لكم قصة قصيرة تناولتها ثقافات عديدة أهمها وربما أصلها الصينية القديمة، إنها قصة ضفدع البئر لكني سأرويها لكم بصبغة عربية دون تحريف شديد إلا ما أجبرتني عليه خلجاتي وكلماتي فلغتنا العربية الجميلة تأبى إلا أن تجمّل المفردات.  
عاش ضفدع طوال حياته في بئر سحيق كان يستمتع بحياته مستلقياً في القاع ينظر للسماء وزرقتها وجمال السحاب وهو يمر مشكلا لوحات بيضاء سريعة وبطيئة مثل لحظات الحياة. كان هذا عالمه الذي تقوقع فيه وظن أن عيشته لوحده هي الأفضل والأمثل، حتى جاءت سلحفاة وأطلت عليه برأسها الصغير الذي غطى جزءاً كبيراً من الضوء من أعلى فلفتت انتباه الضفدع، قالت له: كيف أنت أيها الضفدع؟ رد عليها وقد نفخ أوداجه واخضر خضاره وقال: أنا كما ترين أسبح في هذا الماء الراكد الساكن الهادئ امتع ناظري في الموج الذي أفتعله على مزاجي وقدر حجمي وعندي من البيوت بعدد الحفر المنتشرة في جوانب البئر، أختبئ فيها من المطر وكلما ارتفع منسوب الماء اعتليت بيتا (حفرة) أعلى. طعامي كما تعلمين حشرات تائهة جذبها الماء الداكن ورائحته المعتقة، تعالي واستمتعي معي لأخبرك عن تجاربي فقد اشتقت الى الحديث الى رفيق. 

همّت السلحفاة بالدخول الى البئر إلا أن فتحة البئر كانت ضيقة و لم تستطع رغم حرصها على لقائه و تنويره ، اعتذرت منه وقالت له إنه ضيق لم لا تخرج إلينا في الأعلى وتحادثنا يا ضفدع ، قاطعها متلهفا لسماع صوته و هو يتحدث اليها قائلا :و كيف أنت و من أين أتيت ؟ قالت له جئت من الماء المجاور ذلك المحيط الغائر  الذي لا تكاد ترى نهايته و لن تصل الى منتهاه و لو كنت قرصانا ثائراً إنه ماء كبير تسبح فيه كائنات و عجائب كثيرة فيه نباتات و مرجانيات و ألوان فاقعة و داكنة و فاتحة ، بل حتى حيوانات شفافة و لفافة و منتفخة و منبسطة و مفترسة و صغيرة و كبيرة. تهطل الامطار لأيام ويأتي الجفاف لأشهر لكن لا يرتفع منسوبه ولا ينخفض، لا ينقص ماءه مهما أخذت منه ولا يخبو لونه مهما أفسدت فيه، سقفه سماء زرقاء لونها يسر الناظرين ليس لها بداية ولا نهاية، تتكور في النهاية لكنك لن تراها تتكور، وفي الليل بساط مقلوب مرتفع مزركش بمصابيح لا تنطفئ. 

قالت له هذا الماء، أما البر فالحديث يطول ولا ينتهي، حدثتني عنه صديقتي السلحفاة البرية ولم تنتهي، وهنا أنهى الضفدع الحوار بسرعة وكأنه ذكّره في شيء يكرهه، واعتذر من السلحفاة وغط في قيلولته اليومية في غير موعدها.   

لا نعرف كيف انتهت القصة لكن بالتأكيد نعرف أن الضفدع قد عرف مساحة سماءه في أعلى البئر وماءه في أسفله، لكن هل سيتخلى عن منهجيته أنه يعرف كل شيء؟ وعالمه هو أفضل شيء، هل سيستمر في التمتع مع نفسه أنه يعيش وحيدا كالملك دون رعية ولا وزراء أو رفقاء يشاركونه حشراته وأفراحه وحسراته؟ هل سيرتفع طموحه مع صعود الماء في الشتاء ليعود ويتبخر في الصيف مع الحرارة وسخونة الجدار والأجواء؟  هل سيغامر ويخرج الى عالم جديد ليخوض غمار الحياة على طبيعتها ويشعر بغمرة الفرح ولو لمرة؟ 


ربما لن يتحرك الضفدع لو أطلت عليه سلحفاة كل يوم، لقد سمع ما سمع، فمرحلة الالهام الذي أدته السلحفاة باقتضاب قد انتهت وجاء الدور على الضفدع أن يقرر ويختار، وليس له عذر أن يحتار، فهل هو مستعد للمغامرة أم أنها له مقامرة؟ فجسمه قد بات متكوراً ومشاعره لا تطيق التعرف على أي كائن جديد شبيه او ذي ملامح مختلفة، قد يكون التنافس في البيئة الجديدة محموم ولا يطيقه من مثله الْيَوْمَ مهموم، وخصوصا أنه اعتاد على الهدوء والأمان والغذاء المحدود. أسئلة كثيرة قد تحرك وجدانه فتتحرك أقدامه ليحقق غاياته ويوجه أهدافه، متمرداً على ما يكبله ..... إن كان يكبله! 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق