الثلاثاء، 22 نوفمبر 2016

وداعا دكتور عبد الجواد


وداعاً دكتور عبد الجواد



رحل عنا اليوم عالِم وإنسان دمث ووطني ، كان مثالاً لبلسم عربي يضمد الجروح بإشراقة وجهه الوردي ، وصل أعلى الرتب العلمية وكان من أوائل الباحثين في مجال تحلية المياه في الكويت ، لكنه كان متواضعاً و جميلاً ومرهف الحس والجسم ، ملأ رحيق طيبته وحنانه مكان العمل فكان ممره معطراً بالحب لا تمر من هناك إلا و ترغب بالسلام عليه كبقية الأنام ، تجاوز السبعين وكأنها عنده عشرين ، فقد كان شعلة من النشاط يعمل وكأنه في بداية حياته المهنية ، لا يلتفت الى الأمور المادية بل يرى العمل عبادة ومرح وعلم وتعلم. غافل المرض تواضعه بحجة أنه تجاوز السبعين وعليه أن يرتاح ، لكنه دحره من أول مواجهة رغم أنها لم تكن بالضربة القاضية ، وعاد غضنفراً بجسد نحيل الى معهد الأبحاث و كأن شيئاً لم يكن ، لم يقبل تهديد السرطان ووعيده بل ركله بكل احتقار متحدياً متمرداً متسلقاً لأعالي القمم ليعرّف لنا معنى علو الهمة عملياً وحرفياً.
رحل اللاجئ الفلسطيني الفرنسي وقد جمع الأنساب الشرقية والغربية لكنه كان دوماً عربياً رغم متانة نخاعه الفلسطيني الذي كان يهتز خلف أحشائه كلما تذكر الوطن الأبدي الذي هجره وأهله مجبرين منذ سنين كما حال الملايين ، إلا أننا لم نشعر بذلك الاهتزاز أبداً فلقد كانت رسالته دائماً خدمة الانسانية بعلمه وأدبه وحضوره الجلي أينما حل فالوطن عنده كان حيث حل.  
تلقينا خبر وفاته هذا الصباح فنزلت دموعنا دون أن تستأذننا ومرّ في لاحظات أمامنا شريط سريع من ذكرياتنا معه خلال الأربع سنوات الماضية ، كلها ذكريات حلوة كطعم كعك العجوة المدور أو الحلقوم المربع أو الشوكلاته السمراء التي كان يوزعها كلما مررنا به و لو لثوان. عزاؤنا أن الناس من كل الأطياف والأجناس توحدت على حبه واتفقت على احترامه واحترافه ، كان يبتسم للجميع ويصافح ويمازح ، لا يستثني الصغير ولا الكبير ، يصلي معنا ويقدمنا و يدعو لنا ، يساعد القريب والغريب ، ويتعالى عن السفاسف ويدفع الشرور وهو مسرور، عرفه كل الموظفين من دائمين ومؤقتين ، مدراء وعلماء و باحثين ومهنيين و فنيين ، وخصوصاً العمال البسطاء من مزارعين وعمال نظافة ومراسلين ، فقد  كان يلقاهم صباح كل خميس فرداً فرداً لياخذوا نصيبهم من صدقة تعودوا عليها ، ومن كثرة عددهم كان احياناً يمازحهم فيسألهم :هل هذه المرة الثانية لك اليوم ! 
لقد أحب الدكتور محمود الكويت وأحبته ، كما أهلها،  فاحتضنته كأمه في معظم حياته وها هي اليوم تضمه في ترابها بعد مماته ، وهي فخورة به وبما ما قدم وأنجز على ترابها في حياته وهاهم ابناؤها يتسابقون في "المآجرة" في دفنه وكأنهم اخوته من لحمه و دمه ، اما أمه البيولوجية الأبية فهي تغبطها اليوم وهي ترقب جنازته من بعيد وتتحسر على قضيتها وأنها لم تضمه يوماً (كغيره من أبناءها العلماء) في شبابه ، و ليس لها حظ في عناقه حتى في مماته ، لكن ما يسليها أنها أيضا فخورة بأمجاده. 
نسأل الله العلي العظيم أن يتغمده في رحمته و يغفر له و يتقبل منه ويسكنه فسيح جناته وأعظم الله أجرنا وأجركم جميعاً ، امين يا رب العالمين.

حسام عرمان 

٢٢/١١/٢٠١٦

الاثنين، 21 نوفمبر 2016

وقفة مع القهوة

وقفة مع القهوة

مع احترامي لبروفيسور سيزلر من هارفارد ونظريته في تزامن انتشار القهوة مع تغير طبيعة اعمال الناس من الريف و الزراعة الى الحضر و الصناعة والحاجة الى الكافيين، الا أني أرى ان القهوة مشاعر وأحاسيس تغازلك رائحتها منذ بدء تحميصها عند المطحنة و تنتعش خلايا دماغك و انت تفتح العلبة او الكيس لتغرف ملعقة او اثنتين و تغليها "على رواق" على نار هادئة تهدر أمواجها الصغيرة وتتسلق رائحتها لتصل الى عنان عيونك لتستمتع بسحابها قبل ان تبدأ بصبها وترى سرابها ومن ثم يخفق قلبك سريعا بمجرد ان تلامس شفتيك اول رشفة من شرابها ، فتكتب و تفكر وتتأمل وأحيانا تبدع (ولو على قدك)، وما كتبت في الأعلى على عجالة الا بعد اول رشفة او رشفتين :) و لا نلوم من لم يقع في غرامها لان هناك دراسة من جامعة ادنبرة اشارت الى وجود عامل جيني في الموضوع ايضا !

الإبصار بداية الإلهام


 أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ ۖ أَفَلَا يُبْصِرُونَ"
الماء سر الحياة و روحها ، اذا نزل من السماء اهتزت الارض وربت ومنها ما يحتاج الى ماء يساق ليذوب الجفاف و يكون سببا في الإنبات لتأكل الدواب ، دعوة الى التأمل فيما يحيط بِنَا من آيات لنقرأ كتاب الطبيعة على بصيرة فالإبصار طريق للتأمل و التفكر وبداية الإلهام و بذور الإبداع ، واعمال النظر يعتبر من مكونات تطوير مهارات الابداع ، ليوناردو دافنشي كان يقضي ساعات ينظر الى حركة الماء و غيرها من نواميس الطبيعة ثم يذهب ويخترع الاَلات و يبتكر النظريات .
وقد يمتد البصر و ينسى انه ينطلق من منصة معقدة فيها معجزات وأنظمة مبهرة و ملهمة لكنها مهملة ربما بسبب قربها الشديد وشغلها "وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ"،
لكن بديع السموات والارض يحثنا على الإبداع وعمارة الارض بما تجود به عقولنا وابداننا فلا نتعبد في الآيات التي في السطور فقط بل في ايات السموات والارض وانفسنا و الآخرين فننتج الأفكار و المنتجات المفيدة للبشرية ولنا في ذلك حسنة في الدنيا وحسنة في الآخرة.

مرات لازم نهدي شوي (بالعامية)

مرات الواحد بسوى يهدي السرعة شوي و يطلع حوليه ، أو حتى يوقف و ينزل يقعدله تحت شجرة و ياكل ثمرة ، يراجع الخريطة و يروح البيت ويشيك النشرة الجوية و بلاش يحضر النشرة الإخبارية ، يرفه عن نفسه و عن عيلته شويه ، يراجع حساباته و يتأكد انه ماشي على الطريق اللي رح يوصله لأهدافه ، مين رح يضل بجانبه ، مين ورآه مين قدّامه ، مش غلط يطلع في المراية شوي حتى يشوف شيباته (اذا ضايل شعر) يتفقد سيئاته ، حسناته ، كم راح كم ضايل ، كيف مفاصله ، مين قدواته ، هل هو نفسه ممكن فيوم يصير فيه قدوه و يلاقي أعماله قدّامه لما ما يضل شي ويخلي كل شي ورآه بدون ما يراه ، لكن أجره و اثره الطيب يضل في ثراه !

الجمعة، 4 نوفمبر 2016

سماء الضفدع

سماء الضفدع 


سأروي لكم قصة قصيرة تناولتها ثقافات عديدة أهمها وربما اصلها الصينية القديمة ، انها قصة ضفدع البئر لكني سأرويها لكم بصبغة عربية دون تحريف شديد إلا ما أجبرتني عليه خلجاتي وكلماتي فلغتنا العربية الجميلة تأبى إلا أن تجمّل المفردات.  
عاش ضفدع طوال حياته في بئر سحيق كان يستمتع بحياته مستلقياً في القاع ينظر للسماء و زرقتها و جمال السحاب و هو يمر مشكلا لوحات بيضاء سريعة و بطيئة مثل لحظات الحياة. كان هذا عالمه الذي تقوقع فيه و ظن أن عيشته لوحده هي الأفضل والأمثل ، حتى جاءت سلحفاة و أطلت عليه برأسها الصغير  الذي غطى جزءاً كبيراً من الضوء من أعلى فلفتت انتباه الضفدع ، قالت له :كيف انت أيها الضفدع ؟ رد عليها وقد نفخ أوداجه و اخضر خضاره و قال : أنا كما ترين أسبح في هذا الماء الراكد الساكن الهادئ امتع ناظري في الموج الذي أفتعله على مزاجي و قدر حجمي و عندي من البيوت بعدد الحفر المنتشرة في جوانب البئر ، أختبئ فيها من المطر وكلما ارتفع منسوب الماء اعتليت بيتا (حفرة) أعلى. طعامي كما تعلمين حشرات تائهة جذبها الماء الداكن ورائحته المعتقة  ، تعالي و استمتعي معي لأخبرك عن تجاربي فقد اشتقت الى الحديث الى رفيق. 

همّت السلحفاة بالدخول الى البئر إلا أن فتحة البئر كانت ضيقة و لم تستطع رغم حرصها على لقائه و تنويره ، اعتذرت منه وقالت له إنه ضيق لم لا تخرج إلينا في الأعلى وتحادثنا يا ضفدع ، قاطعها متلهفا لسماع صوته و هو يتحدث اليها قائلا :و كيف أنت و من أين أتيت ؟ قالت له جئت من الماء المجاور ذلك المحيط الغائر  الذي لا تكاد ترى نهايته و لن تصل الى منتهاه و لو كنت قرصانا ثائراً إنه ماء كبير تسبح فيه كائنات و عجائب كثيرة فيه نباتات و مرجانيات و ألوان فاقعة و داكنة و فاتحة ، بل حتى حيوانات شفافة و لفافة و منتفخة و منبسطة و مفترسة و صغيرة و كبيرة. تهطل الامطار لايام و ياتي الجفاف لاشهر لكن لا يرتفع منسوبه ولا ينخفض ، لا ينقص ماءه مهما أخذت منه و لا يخبو لونه مهما أفسدت فيه ، سقفه سماء زرقاء لونها يسر الناظرين ليس لها بداية ولا نهاية ، تتكور في النهاية لكنك لن تراها تتكور ، وفي الليل بساط مقلوب مرتفع مزركش بمصابيح لا تنطفئ. 

قالت له هذا الماء ، أما البر فالحديث يطول و لا ينتهي ، حدثتني عنه صديقتي السلحفاة البرية و لم تنتهي، وهنا أنهى الضفدع الحوار بسرعة و كانه ذكّره في شيء يكرهه،  و اعتذر من السلحفاة و غط في قيلولته اليومية في غير موعدها.   

لا نعرف كيف انتهت القصة لكن بالتأكيد نعرف أن الضفدع قد عرف مساحة سماءه في أعلى البئر و ماءه في أسفله ، لكن هل سيتخلى عن منهجيته أنه يعرف كل شيء؟ و عالمه هو أفضل شيء ، هل سيستمر في التمتع مع نفسه أنه يعيش وحيدا كالملك دون رعية و لا وزراء أو رفقاء يشاركونه حشراته و أفرائحه و حسراته؟ هل سيرتفع طموحه مع صعود الماء في الشتاء ليعود ويتبخر في الصيف مع الحرارة و سخونة الجدار و الأجواء؟  هل سيغامر و يخرج الى عالم جديد ليخوض غمار الحياة على طبيعتها و يشعر بغمرة الفرح و لو لمرة؟ 

ربما لن يتحرك الضفدع لو أطلت عليه سلحفاة كل يوم ، لقد سمع ما سمع ، فمرحلة الالهام الذي أدته السلحفاة باقتضاب قد انتهت و جاء الدور على الضفدع أن يقرر ويختار ، و ليس له عذر ان يحتار ،  فهل هو مستعد للمغامرة أم انها له مقامرة؟ فجسمه قد بات متكوراً و مشاعره لا تطيق التعرف على أي كائن جديد شبيه او ذي ملامح مختلفة ، قد يكون التنافس في البيئة الجديدة محموم ولا يطيقه من مثله الْيَوْمَ مهموم ، وخصوصا انه اعتاد على الهدوء و الامان والغذاء المحدود. أسئلة كثيرة قد تحرك وجدانه فتتحرك أقدامه ليحقق غاياته و يوجه أهدافه ، متمرداً على ما يكبله ..... إن كان يكبله!