السبت، 14 سبتمبر 2013

عندما يلتقي الابداع والإنسانية

عندما يلتقي الابداع والإنسانية

قد يتبادر للذهن مباشرة عند سماع اسم بوترPotter  الشخصية التي اشتهرت بها صاحبتها الكاتبة البريطانية رولينج (J K Rowling) حيث بيعت من السلسلة أكثر من 450 مليون نسخة و سلسلة من الافلام جعلتها من أغنى الشخصيات في مكانتها و التي كانت موظفة تعيش حياة متواضعة. لن اعلق على قصتها المثيرة هنا ، بل ان قصتنا اليوم مع البطلةPotter  الحقيقية ، إنها هيلين و ليس هاري.
هيلين بايتركس بوتر (Helen Beatrix Potter) كاتبة ورسامة لقصص الاطفال اشتهرت ب The Tale of Peter Rabbit. كتبت اليوم عنها بعد أن شاهدت فيلما يحكي قصتها من يومين ، و كعادة  الأفلام التي تحكي قصص شخصيات حقيقية من التاريخ البريطاني مليئة بالأحداث ذات الرتم البطيء ، الا انها تشدك و ما فيها عادة من مشاهد طبيعية جميلة ، لندن العتيقة ، اللهجة الانجليزية العريقة ، و الطبقات الاجتماعية المتفاوتة و العادات الجميلة و الغريبة.

ما اثار قريحتي لأكتب فيما تأملت هو تلك المناظر الساحرة في منطقة الليك دسريكت (The Lake District) ، ذلك المكان الذي قضيت فيه إجازة قصيرة مع زوجتي في بداية أيام زواجنا حيث الريف الربيعي العميق و المناظر الخلابة للبحيرات والأنهار و الأشجار والوديان والتلال ناصعة الخضار ، ولا ننسى الخراف البيضاء النظيفة ممتلئة البدن. في هذه البيئة الجذابة لن يخذلك قلمك بل سينخزك و يقفز أمامك ويتألق و يكتب عنك و لا يتردد ، فتصبح شاعرا رومانسيا بل فيلسوفا عالميا و لو كنت بالأصل مهندسا صناعيا :). تلك المنطقة التي ألهمت السيدة بوتر للتأليف و الرسم لأجمل ما يدب على الارض من براعم الحياة ، لقد أبدعت في رسم شخصيات أسعدت ملايين الاطفال بروحها المتحركة على الوريقات.

لقد ازداد غنى بوتر و اشتهرت بكتاباتها و تمكنت من شراء العديد من الأراضي و المزارع في تلك المنطقة من جيبها الخاص لتحبسها عن التجار الجشعين وتمنحها هبة للعامة ينتفع بخيراتها أهل البلد ويستمتع بجمالها كل الزائرين أمثالنا. تأملت اليوم كيف أن هذه المكتسبات التي جناها المجتمع كانت نتاج فرد واحد لكنه "مبدعة"  ومحافظة على البيئة (conservationist ) فكرت بطريقة مختلفة مليئة بالإنسانية الجذابة والطيبة الفريدة التي ما زالت تذكر و تحمد الى يومنا هذا.  

ما لفت انتباهي ان بوتر ولدت سنة  1866 م (يعني قبل أيام رولنج بكثير) و شهرتها كتاباتها بل جعلتها ثرية قبل وجود هوليوود حينها كما حصل مع سلسلة أفلام هاري و ايراداته الكبيرة ! لكنها المهنة التي يوجد لها جمهور يقدر الفن الحقيقي والمساهمات الأدبية و الفنية و مستعد لشرائه و خصوصا المتعلق بكتابات الاطفال.
أتحسر و أتألم  عندما أزور المحلات أو المكتبات باحثا عن قصة أطفال بالعربية ذات جودة عالية من حيث النص والتصوير والتلوين و الورق والاخراج و الطباعة و التنسيق كما هو الحال في الكتب الأجنبية التي تأسرك رغم كبر سنك عندما تتأمل في حيثياتها على بساطتها الظاهرية.

دعوتي اليوم تتلخص في دعم كل الجهود الرامية الى استيعاب و تشجيع و صقل أية موهبة طافية في بلادنا في مجال قصص الاطفال و أنا متأكد من وجودها ، و لا بد من دعم الناشرين والمتلقيين ، فالمستقبل لن يكون واعدا اذا ظل تصحر أراضينا يأكل من خضرة أدمغتنا ، فنحن بحاجة الى إنسانية بيضاء و بيئة خضراء تشجع الإبداع و النقاء.

حسام عرمان

14/9/2013

0 تعليقات:

إرسال تعليق

الاشتراك في تعليقات الرسالة [Atom]

<< الصفحة الرئيسية