التخطي إلى المحتوى الرئيسي

غربة جسدية آنية

  


جزء كبير من الشباب الفلسطيني يسافر للعمل ويتزوج ويؤسس أسرة ويقضي سنوات عديدة في الغربة دون أن يشعر، ويولد الاولاد والبنات ويكبروا وتمر السنوات مثل الأيام ونعيش جزء كبيراً من حياتنا تحت مظلة "فترة مؤقتة" مثلما فعل أجدادنا عندما أجبروا على الرحيل عام ١٩٤٨. وتمتد الفترة المؤقتة وتخلق معها بعداً جغرافياً عند الأطفال وأجواء حياة مختلفة عن ذويهم، فهنا ولدوا وترعرعوا، وقضوا أجمل أوقات طفولتهم النقية في ثنايا بلد قد لا يعتبروه غربة مثل أهليهم، وقد ينشغل الوالدان في خضم الحياة ويقتصر الحديث عن فلسطين في الصيف عند زيارة الأهل (والآن مع كورونا حرمنا حتى من زيارة الصيف).

 لذا لا بد لنا من الاهتمام بالحديث عن فلسطين يومياً وكأنها كلا شيء وليس فقط وطن نحنُّ إليه كل حين، بل هي فطور الزيت والزعتر وميرمية الشاي الذي لا يحلو بدونها، أغانينا في السيارة أنغامها فلسطينية، ذكريات طفولتنا فلسطينية، وهي ليست نابلس ورام الله وبيت لحم حيث تربينا بل هي حيفا ويافا وعكا وزهرة المدائن حيث ولد أجدادنا أو أجداد أصدقاءنا. 

 يجب أن تظل فلسطين في قلوبهم وعقولهم عندما ينامون وعندما يستيقظون، وأنها حقنا الذي لن ننساه مهما تغربنا وفُتنّا بغابات الأمركيتين  وبحر الخليج وخيراته ومولاته، وحدائق أوروبا وأنهارها ونظامها. فهذه الغربة التي دخلت كل بيت فلسطيني ما هي إلا غربة جسدية آنية، فالروح هناك في القدس المباركة وما حولها. 

 أما الأهل في مخيمات الصمود في كل العالم فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، فهم من ضحى ومازال يضحي ولن ينسى أو يستسلم مهما طال الزمان، فالأطفال هناك يرضعون حب فلسطين وينامون كل ليلة وفي أيديهم مفاتيح العودة، ولو بعد حين. 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رياضة لوقت قصير لكن أثر كبير

وأخيراً هناك حل لمن عندهم رغبة في النشاط والحيوية وحب ممارسة الرياضة لكن دون الذهاب الى النادي الصحي ! فهناك واحد في البيت ومع الاسرة والأطفال ودون تكلفة مادية ولا عناء المشوار وأزمة السير وخلافه، وبأغراض بسيطة (كرسي أو طاولة صغيرة) ، والأهم من هذا كله أن التمرين لا يأخذ أكثر من 7 دقائق ! وبالتالي لا يوجد الآن حجة لمن يمتنع عن ممارسة النشاط الرياضي ! وهذه الدقائق البسيطة تكافئ ساعة من الجري من الناحية الصحية حسب ما ورد في دراسات علمية متعلقة بما يسمى "التدريب بالجهد المكثف" وقد نشرت الموضوع الصحيفة المعروفة نيويورك تايمز  .  وهناك تطبيقات عدة على الهاتف لتساعدك في التوقيت أو شاهد هذا الرابط على يوتيوب فيه شرح التمارين مع أنيميشن والتوقيت اللازم ، فيمكن التمرن مع الفيديو بحيث تعمل كل تمرين لمدة 30 ثانية و راحة 10 ثواني بينها.  قد يكون الأمر في البداية صعب وخصوصاً لكبار السن أو لمن لم يمارس الرياضة بانتظام من قبل لكن يمكن التدرج في الموضوع واستخدام تمارين مخفف من نفس النوع فمثلا تمرين الضغط push-up يمكن الارتكاز على الركبة بدل القدمين لتسهيل العملية ، أما من هو

طول عمره أزعر

** قصة حقيقية "أكيد هو اللي أخذ ال 20 دينار، فش غيره هالأزعر"، لقد كانت على الطاولة وظل طوال الوقت يتحدث و"يتحفتل" حواليها، "طول عمره أزعر"، معروف في الحارة منذ الصغر، هذه أول مرة يدخل فيها البيت، أمّنوه وأكرموه وأطعموه وشربوه ثم عقر. تذكروا حينها كلماته وحركاته وسكناته، وبالإجماع أيقنوا أنها كلها كانت تدل على أنه هو الفاعل، لقد كان وقتها الغريب الوحيد بينهم في الغرفة، لقد كان حديثه مصطنعاً، لاحظوا أنه كان يختلق القصص حتى يسليهم ويلاهيهم ثم ينقض على فريسته! إنه هو، قصصه كثيرة وحوادثه معروفة وسجله أصبح لديهم حافل بالمغامرات والشبهات، فكلها أكدت وبرهنت على حِسّهم وحدسهم ومعلوماتهم واستخباراتهم!  فكروا في سؤال جيرانه والاستعلام عن توجهاته ، وبعد أن كادوا أن يفقدوا الأمل بسبب صعوبة استخراج الدلائل وتوقع تنكر المتهم في حال مواجهته والتحقيق معه ، وضع الصغير يده في جيبه بعفوية واذا به يخرج منها المبلغ "المسروق" وكان قد أراد أن يمازح الجميع ولكنه نسي الموضوع كلياً واندمج مع "الأكشن" والسيناريو الواهم الذي اصطنعوه  ، وفجأة

وداعاً دكتور عبد الجواد

رحل عنا اليوم عالِم وإنسان دمث ووطني ، كان مثالاً لبلسم عربي ، يضمد الجروح بإشراقة وجهه الوردي ، وصل أعلى المراتب العلمية وكان من أوائل الباحثين في مجال تحلية المياه في الكويت ، لكنه كان متواضعاً وجميلاً ومرهف الحس والجسم ، ملأ رحيق طيبته وحنانه مكان العمل فكان ممره معطراً بالحب لا تمر من هناك إلا وترغب بالسلام عليه ، تجاوز السبعين وكأنها عنده عشرين ، فقد كان شعلة من النشاط يعمل وكأنه في بداية حياته المهنية ، لا يلتفت الى الأمور المادية بل يرى العمل عبادة ومرح وعلم وتعلم. غافل المرض تواضعه بحجة أنه تجاوز السبعين وعليه أن يرتاح ، لكنه دحره من أول مواجهة لكنها لم تكن بالضربة القاضية ، وعاد غضنفراً بجسد نحيل إلى معهد الأبحاث وكأن شيئاً لم يكن ، لم يقبل تهديد السرطان ووعيده بل ركله بكل احتقار متحدياً متمرداً متسلقاً لأعالي القمم ليعرّف لنا معنى علو الهمة عملياً وحرفياً. رحل اللاجئ الفلسطيني الفرنسي وقد جمع الأنساب الشرقية والغربية لكنه كان دوماً عربياً رغم متانة نخاعه الفلسطيني الذي كان يهتز خلف أحشائه كلما تذكر الوطن الأبدي الذي هجره وأهله مجبرين منذ سنين كما حال الملايين ،