السبت، 17 ديسمبر، 2016

التفكير قد يحدث التغيير



في أحد الأيام الصيفية اللندنية الجميلة قبل بضع سنين كان يساورني الحنين و يجادلني الأنين والحاجة الى التفكير مع بعض الترانيم ، ترانيم الكتاب والطبيعة فخلوت الى مكان عام وواسع لا يصلح لان يكون خلوة الا أن تكون في داخل كتاب ، كان ذلك في حديقة ريجنتس بارك حيث الماء و الخضراء و الوجه الحسن ، خرجت وحدي وأخذت معي الكندل و فيها رواية واحدة مع كثير من الكتب ، كانت تلك الرواية الخيميائي التي سمعت بها كثيراً و أردت قراءتها منذ زمن لكني لا أقرأ الروايات إلا ما ندر ، رغم أني أحبها لكن فطرتي الهندسية بمقاييسها التي تعتمد الفاعلية و الانتاجية تستبعد الاعمال الروائية من أي خطط اسبوعية أو قراءات يومية لمصلحة الكتب الهندسية و الادارية و غيرها من الكتب العلمية.

قضيت معظم النهار في ذلك اليوم منكبا أقرأ دون توقف فقرأت معظم الرواية دون أن أشعر بمن حولي من مشاة تكلموا اللغة الاسبانية و الفرنسية و العربية و العبرية بالاضافة الى الانجليزية ، و لم يجلس بجانبي أحد رغم أني اعتقدت ذلك عندما وصلت الى الفقرة التي يتحدث فيها باولو كويلو عن لقاء الفتى بالعجوز ، فلقد فكرت بذلك بشدة ربما بسبب حاجتي لحكيم حينها يلهمني و كان ذلك السيناريو يدور في ذهني بقوة وكأني أسمعه يحدثني فنظرت الى جانبي لكني لم أجده ، ضحكت حينها من نفسي و تصوراتها الغريبة و كأن التفكير بالشيء وحده كفيل بأن يصنعه ، و بينما كنت أتقلب ذات اليمين و ذات الشمال حتى لا أتيبس من الجلوس ، نظرت يميناً و اذا بعجوز يجلس بقربي ، تحركت جوارحي بشكل ملحوظ و تنفست ابتساماتي و ربما بانت على وجهي و انتظرته ليسألني أو يكلمني كما في الرواية فإيماني بقوة التفكير عاد وتعزز من جديد ، لكنه سرعان ما تبخر فلقد تركني العجوز بهدوء محطما تخيلاتي و اندماجي المجنون بالرواية ، لا أعرف لماذا ترك جواري ؟ ربما شعر بانفعالاتي و حركة جوارحي و ابتساماتي أو مظهري الشرقي الارهابي رغم أن لحيتي حينها كانت خفيفة وكأنها دهان أسود رش على وجهي باحتراف دون أن يلطخني أو يوسخني.         

رضيت "بالمكتوب" وزغرد احساسي الهندسي أن الروايات ما هي الا خزعبلات تفسد العقل و تشتت تأملاته لكنه احب ان اكمل الرواية فأكملت لايماني بان الاحساس الداخلي هو مصدر الالهام والابداع و ظللت مؤمنا أن الانسان بالتفكير وحده قد يصنع التغيير.

تجاوزت المرحلة التي يلتقي فيها العجوز بالفتى وأكملت القراءة إلا ان قلبي ظل متوقفا عند ذلك المقطع منتظرا العجوز ليحاوره و يسمع منه ، و ما هي الا لحظات حتى جاء العجوز الحقيقي فجلس و بدا عليه الاستعجال في الحديث إلي ، فغمرتني حينها سعادة انتصار التفكير و انجاز المصير. طلب مني أن اخذ له بعض الصور باستخدام ايباده فيبدو أنه اختار ذلك الجهاز ذا الشاشة الكبيرة لانه أحن على عيونه من الكاميرات و الموبايلات. جلس الى جواري وانطلقنا بالحديث (أو بالاحرى انطلق هو) فحدثني عن حياته و اهله و سفره و ترحاله و عدم انتهاء مسيرته بتقاعده فها هو يؤسس جمعية يجمع فيها أمهر الأطباء من امريكا ويذهبوا لعلاج الفقراء مجانا في الدول الفقيرة ، فتعجبت من وفاء هؤلاء الأطباء وانسانيتهم فأنا اعرف أيضا مجموعة مشابهة من الاصدقاء من الاطباء المتقاعدين في بريطاني كنت أدرسهم اللغة العربية.  

غادر العجوز و تبادلنا العناوين وعدت الى كتابي أقرأ بايجابية أكثر و قناعة أكبر بأن التفكير عنصر مهم في الانجاز  والتغيير  ، رغم انه لا يظهر بالعيان فهو غير محسوس و لذلك يستقل الناس بأثره لعمق معناه ، نشعر به من خلال سحره احيانا كما حدث معي أو من خلال قوة محركه الداخلية التي يدفع فيها الحواس لتحرك الجوارح لتعمل فيصبح سلوكا و انجازا على أرض الواقع.

هذه هي المعادلة الطبيعية بالتسلسل الصحيح (أفكار – أحاسيس - أفعال) ، لأن السبب الجذري لأي حالة هو الأفكار و بالتالي لا بد ان تكون شغلنا الشاغل في جعلها ايجابية و عدم السماح للافعال والمشاعر التصدر و التقدم فتكون كالعربة امام الحصان لأنها ستعطل مسيرتنا في تحقيق أهدافنا وسعادتنا بل صحتنا البدنية و الذهنية كما بينت بعض الدراسات. إذن هيا نفكر ونتخيل أكثر فإما أن ينجح سحر التفكير لوحده (إن امنا به) أو يكون حافزا لنا بعدها لأن نتحرك بمشاعر إيجابية تخمرت بتفكير عميق.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

الاشتراك في تعليقات الرسالة [Atom]

<< الصفحة الرئيسية