التخطي إلى المحتوى الرئيسي

"وفي أنفسكم ..."

 



"وفي أنفسكم أفلا تبصرون"، آية عجيبة لن تظمأ إذا تأملتها في إطار التفاسير التقليدية التي تعجز عن التبحر في مكامنها، لكنك عندما تشاهد بعض البرامج العلمية الحديثة عن جسم الإنسان وتقرأ عشرات الكتب المتعلقة بطريقة تفكير الإنسان تقف مذهولاً أمام هذه الكلمات البسيطة التي فتحت للإنسان النافذة وقالت له أنظر وابحث وتعلم وتأمل واعمل.

إن الإعجاز العلمي يظهر جلياً في خلق الإنسان فها نحن نرى جوارحه تتحرك أمامنا ومن داخلها ماكينات وأنظمة عظمية ولحمية وعصبية وجلدية حُبكت بعناية معقدة تتفاعل مع بعضها بسلاسة عجيبة قد تغفل عن كمية الإبداع فيها حتى تصاب بكدمة هنا أو هناك أو سوسة في سن تقض مضاجعك ويتداعى لها سائر الجسد بالسهر والحمى. أو عندما تقرأ خبراً مبهراً مثل ابتكار جديد لشركة بوسطن دينامكس المبدعة للروبوتات وهي تحاول الاقتراب قليلاً مما تفعله جوارح الإنسان كفتحه للباب أو قفزه عن حاجز (بس كده)، فتبتسم وتنظر إلى جوارحك الجميلة وتقول سبحان الله.          

ما تقدم كله يهون عندما توجه نظرك إلى حصن الإمبراطور الذي يجلس في الأعلى، فتحريك الجوارح آخر همه لبساطتها بل إنه يفوض الفروع ببعض الأوامر التلقائية لأنه مشغول بقضايا فلسفية عظمى، قضايا تتعلق بالوجود وسببه والخالق وعظمته والحياة وكنهها ومجالاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والحرب والسلام والأسرة والأطفال والعمل والحب والغرام والألم والأمل والسعادة، مشاعر متلاطمة وأفكار ومشاورات ومناقشات في حجرة القيادة وما فيها من أحزاب مختلفة يجلس ممثلوها في أرفع مكان وأعلاه مكانياً ومعنوياً فوق كل الأعضاء. 

هذه الكتلة الدهنية الكبيرة اللزجة مازالت تحير العلماء وهو يبحرون فيها محاولين فهم طريقة عملها وتعاملها وتفكيرها ....

"... أفلا تبصرون؟ "       

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

سماء الضفدع

سأروي لكم قصة قصيرة تناولتها ثقافات عديدة أهمها وربما أصلها الصينية القديمة، إنها قصة ضفدع البئر لكني سأرويها لكم بصبغة عربية دون تحريف شديد إلا ما أجبرتني عليه خلجاتي وكلماتي فلغتنا العربية الجميلة تأبى إلا أن تجمّل المفردات.   عاش ضفدع طوال حياته في بئر سحيق كان يستمتع بحياته مستلقياً في القاع ينظر للسماء وزرقتها وجمال السحاب وهو يمر مشكلاً لوحات بيضاء سريعة وبطيئة مثل لحظات الحياة. كان هذا عالمه الذي تقوقع فيه وظن أن عيشته لوحده هي الأفضل والأمثل، حتى جاءت سلحفاة وأطلت عليه برأسها الصغير الذي غطى جزءاً كبيراً من الضوء من أعلى فلفتت انتباه الضفدع. قالت السلحفاة : "كيف أنت اليوم أيها الضفدع؟" رد عليها وقد نفخ أوداجه واخضر خضاره وقال: "أنا كما ترين أسبح في هذا الماء الراكد الساكن الهادئ أمتع ناظري في الموج الذي أفتعله على مزاجي وقدر حجمي وعندي من البيوت بعدد الحفر المنتشرة في جوانب البئر، أختبئ فيها من المطر وكلما ارتفع منسوب الماء اعتليت بيتا (حفرة) أعلى. طعامي كما تعلمين حشرات تائهة جذبها الماء الداكن ورائحته المعتقة، تعالي واستمتعي معي لأخبرك عن تجارب...

عندما يتفوق العبد على سيده

  شاهدت معظم الأفلام المرتبطة بمعضلة أحبابنا الأفارقة ومعاناتهم في أمريكا وكثير منها مؤلم جداً وخصوصاً تلك المبنية على قصص حقيقية، أم فيلم Django Unchained فهو تحفة دموية لكنها مبهجة حيث ترى "العبد" جانجو حراً طليقاً يفتك بالمجرمين البيض ومنهم "أسياد" سابقين له وكلهم مطلوبون للعدالة وكان ذلك العمل حينها قانونياً بل وتضع له الحكومة جوائز نقدية. ننتقل إلى المشهد الذي يترقب فيه المشاهد وينتظر اللحظة الرومانسية التي اقترب فيها جانجو من تحرير زوجته بعد أن تحرر وأصبح صديقًا وشريكاً للطبيب الألماني شولتز (لازم يكون الأبيض إله دور إيجابي في هوليوود حتى لو كان أوروبي وهذه مقصودة كمان) الذي قرر مساعدته لتحرير زوجته من العبودية بعد أن عرف أنها تعيش في مزرعة الإقطاعي كاندي الذي يمتلك الكثير من العبيد (اللي بده يحضر الفيلم ما يكمل قراءة!). تسير كل الأمور على ما يرام حتى يلاحظ رئيس الخدم علاقة خفية صعب إخفاءها بين الزوج وزوجته، وقد كان رئيس الخدم ستيفين معروف بولائه الذي لا يعرف الحدود والمصلحة المادية بل ظهر متيماً بسيده وأكثر غلظة منه على سائر العبيد، واكتشف خطة جانجو وا...

البكور : سر من أسرار النجاح

البكور : سر من أسرار النجاح إذا كانت "افتح يا سمسم" كلمة السر لفتح كنز علي بابا، فإن "السر" الذي سأذكره هنا ليس بمعناه الحرفي بل هو المفتاح الذهبي لأبواب الانجاز وتحقيق النتائج التي قد تتفوق على الاهداف أحياناً. إنه ببساطة "بركة البكور"، البكور إلى العمل كموظف، طالب، تاجر، كاتب، ربة بيت، أو حتى متقاعد. لن أسوق لكم أمثلة عالمية مثل تاتشر وغيرها (أنظر المقالة  هنا  ) لكني سأخبركم عن تجربتي الشخصية المتواضعة إلى الآن، أدام الله علينا وعليكم نعمة التوفيق في العمل والعائلة والمجتمع و تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال ، (سامحوني الجملة المعترضة صارت خطبة جمعة :) أستطيع أن أعزو جزء كبير من سبب تفوقي في المدرسة والجامعة والعمل إلى اجتهادي وبدأ نشاطي اليومي مبكراً. لن أبالغ إن قلت إن الفعالية تكون ضعف الأوقات الأخرى، وقد يختلف البعض في ساعة النشاط لهم كما يقولون، لكني متأكد أنهم سيلاحظون فرقاً كبيراً إن جربوا ذلك بشرط أن يعيدوا برمجة أدمغتهم بحيث يتوقف حديث النفس بشكل سلبي مثل: " ما بعرف أشتغل الصبح، بكون نعسان، ما بعرف أنام بدري، ما بقدر أصحى الصبح، م...