السبت، 17 ديسمبر 2016

التفكير قد يحدث التغيير



في أحد الأيام الصيفية اللندنية الجميلة قبل بضع سنين كان يساورني الحنين و يجادلني الأنين والحاجة الى التفكير مع بعض الترانيم ، ترانيم الكتاب والطبيعة فخلوت الى مكان عام وواسع لا يصلح لان يكون خلوة الا أن تكون في داخل كتاب ، كان ذلك في حديقة ريجنتس بارك حيث الماء و الخضراء و الوجه الحسن ، خرجت وحدي وأخذت معي الكندل و فيها رواية واحدة مع كثير من الكتب ، كانت تلك الرواية الخيميائي التي سمعت بها كثيراً و أردت قراءتها منذ زمن لكني لا أقرأ الروايات إلا ما ندر ، رغم أني أحبها لكن فطرتي الهندسية بمقاييسها التي تعتمد الفاعلية و الانتاجية تستبعد الاعمال الروائية من أي خطط اسبوعية أو قراءات يومية لمصلحة الكتب الهندسية و الادارية و غيرها من الكتب العلمية.

قضيت معظم النهار في ذلك اليوم منكبا أقرأ دون توقف فقرأت معظم الرواية دون أن أشعر بمن حولي من مشاة تكلموا اللغة الاسبانية و الفرنسية و العربية و العبرية بالاضافة الى الانجليزية ، و لم يجلس بجانبي أحد رغم أني اعتقدت ذلك عندما وصلت الى الفقرة التي يتحدث فيها باولو كويلو عن لقاء الفتى بالعجوز ، فلقد فكرت بذلك بشدة ربما بسبب حاجتي لحكيم حينها يلهمني و كان ذلك السيناريو يدور في ذهني بقوة وكأني أسمعه يحدثني فنظرت الى جانبي لكني لم أجده ، ضحكت حينها من نفسي و تصوراتها الغريبة و كأن التفكير بالشيء وحده كفيل بأن يصنعه ، و بينما كنت أتقلب ذات اليمين و ذات الشمال حتى لا أتيبس من الجلوس ، نظرت يميناً و اذا بعجوز يجلس بقربي ، تحركت جوارحي بشكل ملحوظ و تنفست ابتساماتي و ربما بانت على وجهي و انتظرته ليسألني أو يكلمني كما في الرواية فإيماني بقوة التفكير عاد وتعزز من جديد ، لكنه سرعان ما تبخر فلقد تركني العجوز بهدوء محطما تخيلاتي و اندماجي المجنون بالرواية ، لا أعرف لماذا ترك جواري ؟ ربما شعر بانفعالاتي و حركة جوارحي و ابتساماتي أو مظهري الشرقي الارهابي رغم أن لحيتي حينها كانت خفيفة وكأنها دهان أسود رش على وجهي باحتراف دون أن يلطخني أو يوسخني.         

رضيت "بالمكتوب" وزغرد احساسي الهندسي أن الروايات ما هي الا خزعبلات تفسد العقل و تشتت تأملاته لكنه احب ان اكمل الرواية فأكملت لايماني بان الاحساس الداخلي هو مصدر الالهام والابداع و ظللت مؤمنا أن الانسان بالتفكير وحده قد يصنع التغيير.

تجاوزت المرحلة التي يلتقي فيها العجوز بالفتى وأكملت القراءة إلا ان قلبي ظل متوقفا عند ذلك المقطع منتظرا العجوز ليحاوره و يسمع منه ، و ما هي الا لحظات حتى جاء العجوز الحقيقي فجلس و بدا عليه الاستعجال في الحديث إلي ، فغمرتني حينها سعادة انتصار التفكير و انجاز المصير. طلب مني أن اخذ له بعض الصور باستخدام ايباده فيبدو أنه اختار ذلك الجهاز ذا الشاشة الكبيرة لانه أحن على عيونه من الكاميرات و الموبايلات. جلس الى جواري وانطلقنا بالحديث (أو بالاحرى انطلق هو) فحدثني عن حياته و اهله و سفره و ترحاله و عدم انتهاء مسيرته بتقاعده فها هو يؤسس جمعية يجمع فيها أمهر الأطباء من امريكا ويذهبوا لعلاج الفقراء مجانا في الدول الفقيرة ، فتعجبت من وفاء هؤلاء الأطباء وانسانيتهم فأنا اعرف أيضا مجموعة مشابهة من الاصدقاء من الاطباء المتقاعدين في بريطاني كنت أدرسهم اللغة العربية.  

غادر العجوز و تبادلنا العناوين وعدت الى كتابي أقرأ بايجابية أكثر و قناعة أكبر بأن التفكير عنصر مهم في الانجاز  والتغيير  ، رغم انه لا يظهر بالعيان فهو غير محسوس و لذلك يستقل الناس بأثره لعمق معناه ، نشعر به من خلال سحره احيانا كما حدث معي أو من خلال قوة محركه الداخلية التي يدفع فيها الحواس لتحرك الجوارح لتعمل فيصبح سلوكا و انجازا على أرض الواقع.

هذه هي المعادلة الطبيعية بالتسلسل الصحيح (أفكار – أحاسيس - أفعال) ، لأن السبب الجذري لأي حالة هو الأفكار و بالتالي لا بد ان تكون شغلنا الشاغل في جعلها ايجابية و عدم السماح للافعال والمشاعر التصدر و التقدم فتكون كالعربة امام الحصان لأنها ستعطل مسيرتنا في تحقيق أهدافنا وسعادتنا بل صحتنا البدنية و الذهنية كما بينت بعض الدراسات. إذن هيا نفكر ونتخيل أكثر فإما أن ينجح سحر التفكير لوحده (إن امنا به) أو يكون حافزا لنا بعدها لأن نتحرك بمشاعر إيجابية تخمرت بتفكير عميق.

الأحد، 11 ديسمبر 2016

كيف أصبح آدم برشلونياً



يبدو أن الحب أيضاً في الصغر كالنقش في الحجر ، هكذا اصبح ادم برشلونياً وانا أتحمل المسؤولية حيث كنّا في صدد شراء طقم رياضي له بينما كان عمره ٣ سنوات وكانت خطتي و حلمي منذ زمن أن أحفر الحب المدريدي في صدره مبكراً حتى نستمتع لاحقا بمشاهد المباريات المدريدية عندما يكبر ويشتد عوده ، لكن العرض المخفض على طقم برشلونة في محل الملابس يومها كان خياليا فاشتريت له الطقم البرشلوني حينها ويدي كانت على قلبي لكني اعتقدت أنه ما زال صغيراً و لن يابه بذلك ، و بعد عدة أيام شاهد " مانيكان " ضخم لنيمار في لباس برشلونة خارج أحد المحلات الرياضية وفرح أنه يشبه ملابسه وبدأ منذ ذلك الوقت ينتبه الى التلفاز ايضاً و تعرف على اسم الفريق و باءت كل محاولاتي في تحويله الى مشجع مدريدي بالفشل الذريع، وواستني ياسمينتي وأخبرتني أنها تشجع مدريد و لا أدري ان كان ذلك حقيقة ام انه حنان فتاتي ولطافة بنتي الاستنثنائية الذي لا مثيل له على الوجه الأرض كغيرها من البنات.

في الصيف الماضي جاءت محاولتي الاخيرة بعد ان تعلق بكرة القدم وأصبح يشابه أباه ، اقتنصت فرصة العمر والتي ربما كانت بالنسبة لي حلم طفولي ساذج لم أتوقعه في حياتي فملعب بلدية نابلس الرملي حينها كان بالنسبة لي عملاقاً وتحفة فنية ، و قلت في نفسي اليوم سيندهش الطفل من رؤية أول ستاد في حياته و أي ستاد أجمل من البرينابيو! لكن ذلك لم يقشعر بدنه كأبيه بل اضررت أن أتحايل عليه خلال الجولة بأن لا ينكد علينا ب it is not fair ، وأخبرته اني أحب لعب برشلونة أيضا (وهذه حقيقة) و أقنعت نفسي انه لا مانع من حبين في قلب واحد ! ووعدته طبعا أننا سنزور برشلونة يوما ما عشان تصير fair !

هذه كانت قصتي التي تعلمت منها درسا مفيدا طويل الأجل فحذاري يا أباء و امهات في اتخاذ حتى أصغر القرارات  :) اليوم سيكون الكلاسيكو الاول للعائلة حيث أن المباراة مبكرة ، وسنحاول ان نستمتع جميعاً بروح رياضية و اتمنى لكم سهرة طيبة.

حسام عرمان
ليلة الكلاسيكو 3/12/2016

الثلاثاء، 22 نوفمبر 2016

وداعاً دكتور عبد الجواد







رحل عنا اليوم عالِم وإنسان دمث ووطني ، كان مثالاً لبلسم عربي ، يضمد الجروح بإشراقة وجهه الوردي ، وصل أعلى المراتب العلمية وكان من أوائل الباحثين في مجال تحلية المياه في الكويت ، لكنه كان متواضعاً وجميلاً ومرهف الحس والجسم ، ملأ رحيق طيبته وحنانه مكان العمل فكان ممره معطراً بالحب لا تمر من هناك إلا وترغب بالسلام عليه ، تجاوز السبعين وكأنها عنده عشرين ، فقد كان شعلة من النشاط يعمل وكأنه في بداية حياته المهنية ، لا يلتفت الى الأمور المادية بل يرى العمل عبادة ومرح وعلم وتعلم. غافل المرض تواضعه بحجة أنه تجاوز السبعين وعليه أن يرتاح ، لكنه دحره من أول مواجهة لكنها لم تكن بالضربة القاضية ، وعاد غضنفراً بجسد نحيل إلى معهد الأبحاث وكأن شيئاً لم يكن ، لم يقبل تهديد السرطان ووعيده بل ركله بكل احتقار متحدياً متمرداً متسلقاً لأعالي القمم ليعرّف لنا معنى علو الهمة عملياً وحرفياً.
رحل اللاجئ الفلسطيني الفرنسي وقد جمع الأنساب الشرقية والغربية لكنه كان دوماً عربياً رغم متانة نخاعه الفلسطيني الذي كان يهتز خلف أحشائه كلما تذكر الوطن الأبدي الذي هجره وأهله مجبرين منذ سنين كما حال الملايين ، إلا أننا لم نشعر بذلك الاهتزاز أبداً فلقد كانت رسالته دائماً خدمة الانسانية بعلمه وأدبه وحضوره الجلي أينما حل فالوطن عنده كان حيث حل.  
تلقينا خبر وفاته هذا الصباح فنزلت دموعنا دون أن تستأذننا ومرّ في لاحظات أمامنا شريط سريع من ذكرياتنا معه ، كلها ذكريات حلوة كطعم كعك العجوة المدور أو الحلقوم المربع أو الشوكلاته السمراء التي كان يوزعها كلما مررنا به و لو لثوان. 

عزاؤنا أن الناس توحدت على حبه من كل الأطياف والأجناس ، واتفقت على احترامه واحترافه ، كان يبتسم للجميع ويصافح ويمازح ، لا يستثني الصغير ولا الكبير ، يصلي معنا ويقدمنا و يدعو لنا ، يساعد القريب والغريب ، ويتعالى عن السفاسف ويدفع الشرور وهو مسرور، عرفه كل الموظفين من دائمين ومؤقتين ، مدراء وعلماء وباحثين ومهنيين و فنيين ، وخصوصاً العمال البسطاء من مزارعين وعمال نظافة ومراسلين ، فقد  كان يلقاهم صباح كل خميس فرداً فرداً لياخذوا نصيبهم من صدقة تعودوا عليها ، ومن كثرة عددهم كان احياناً يمازحهم فيسألهم :هل هذه المرة الثانية لك اليوم ! 
لقد أحب الدكتور محمود الكويت وأحبته ، كما أهلها،  فاحتضنته كأمه في معظم حياته وها هي اليوم تضمه في ترابها بعد مماته ، وهي فخورة به وبما قدم وأنجزعلى ترابها في حياته ،وها هم أبناؤها يتسابقون في "المآجرة" في دفنه وكأنهم اخوته من لحمه و دمه.
أما أمه البيولوجية الأبية فهي تغبطها اليوم وهي ترقب جنازته من بعيد وتتحسرعلى قضيتها وأنها لم تضمه يوماً (كغيره من أبناءها العلماء) في شبابه ، و ليس لها حظ في عناقه حتى في مماته ، لكن ما يسليها أنها أيضا فخورة بأمجاده. 
نسأل الله العلي العظيم أن يتغمده في رحمته و يغفر له و يتقبل منه ويسكنه فسيح جناته وأعظم الله أجرنا وأجركم جميعاً ، امين يا رب العالمين.

حسام عرمان 


٢٢/١١/٢٠١٦

الاثنين، 21 نوفمبر 2016

وقفة مع القهوة

وقفة مع القهوة

مع احترامي لبروفيسور سيزلر من هارفارد ونظريته في تزامن انتشار القهوة مع تغير طبيعة اعمال الناس من الريف و الزراعة الى الحضر و الصناعة والحاجة الى الكافيين، الا أني أرى ان القهوة مشاعر وأحاسيس تغازلك رائحتها منذ بدء تحميصها عند المطحنة و تنتعش خلايا دماغك و انت تفتح العلبة او الكيس لتغرف ملعقة او اثنتين و تغليها "على رواق" على نار هادئة تهدر أمواجها الصغيرة وتتسلق رائحتها لتصل الى عنان عيونك لتستمتع بسحابها قبل ان تبدأ بصبها وترى سرابها ومن ثم يخفق قلبك سريعا بمجرد ان تلامس شفتيك اول رشفة من شرابها ، فتكتب و تفكر وتتأمل وأحيانا تبدع (ولو على قدك)، وما كتبت في الأعلى على عجالة الا بعد اول رشفة او رشفتين :) و لا نلوم من لم يقع في غرامها لان هناك دراسة من جامعة ادنبرة اشارت الى وجود عامل جيني في الموضوع ايضا !

الإبصار بداية الإلهام


 أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ ۖ أَفَلَا يُبْصِرُونَ"
الماء سر الحياة و روحها ، اذا نزل من السماء اهتزت الارض وربت ومنها ما يحتاج الى ماء يساق ليذوب الجفاف و يكون سببا في الإنبات لتأكل الدواب ، دعوة الى التأمل فيما يحيط بِنَا من آيات لنقرأ كتاب الطبيعة على بصيرة فالإبصار طريق للتأمل و التفكر وبداية الإلهام و بذور الإبداع ، واعمال النظر يعتبر من مكونات تطوير مهارات الابداع ، ليوناردو دافنشي كان يقضي ساعات ينظر الى حركة الماء و غيرها من نواميس الطبيعة ثم يذهب ويخترع الاَلات و يبتكر النظريات .
وقد يمتد البصر و ينسى انه ينطلق من منصة معقدة فيها معجزات وأنظمة مبهرة و ملهمة لكنها مهملة ربما بسبب قربها الشديد وشغلها "وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ"،
لكن بديع السموات والارض يحثنا على الإبداع وعمارة الارض بما تجود به عقولنا وابداننا فلا نتعبد في الآيات التي في السطور فقط بل في ايات السموات والارض وانفسنا و الآخرين فننتج الأفكار و المنتجات المفيدة للبشرية ولنا في ذلك حسنة في الدنيا وحسنة في الآخرة.

مرات لازم نهدي شوي (بالعامية)

مرات الواحد بسوى يهدي السرعة شوي و يطلع حوليه ، أو حتى يوقف و ينزل يقعدله تحت شجرة و ياكل ثمرة ، يراجع الخريطة و يروح البيت ويشيك النشرة الجوية و بلاش يحضر النشرة الإخبارية ، يرفه عن نفسه و عن عيلته شويه ، يراجع حساباته و يتأكد انه ماشي على الطريق اللي رح يوصله لأهدافه ، مين رح يضل بجانبه ، مين ورآه مين قدّامه ، مش غلط يطلع في المراية شوي حتى يشوف شيباته (اذا ضايل شعر) يتفقد سيئاته ، حسناته ، كم راح كم ضايل ، كيف مفاصله ، مين قدواته ، هل هو نفسه ممكن فيوم يصير فيه قدوه و يلاقي أعماله قدّامه لما ما يضل شي ويخلي كل شي ورآه بدون ما يراه ، لكن أجره و اثره الطيب يضل في ثراه !

الجمعة، 4 نوفمبر 2016

سماء الضفدع

سماء الضفدع 


سأروي لكم قصة قصيرة تناولتها ثقافات عديدة أهمها وربما اصلها الصينية القديمة ، انها قصة ضفدع البئر لكني سأرويها لكم بصبغة عربية دون تحريف شديد إلا ما أجبرتني عليه خلجاتي وكلماتي فلغتنا العربية الجميلة تأبى إلا أن تجمّل المفردات.  
عاش ضفدع طوال حياته في بئر سحيق كان يستمتع بحياته مستلقياً في القاع ينظر للسماء و زرقتها و جمال السحاب و هو يمر مشكلا لوحات بيضاء سريعة و بطيئة مثل لحظات الحياة. كان هذا عالمه الذي تقوقع فيه و ظن أن عيشته لوحده هي الأفضل والأمثل ، حتى جاءت سلحفاة و أطلت عليه برأسها الصغير  الذي غطى جزءاً كبيراً من الضوء من أعلى فلفتت انتباه الضفدع ، قالت له :كيف انت أيها الضفدع ؟ رد عليها وقد نفخ أوداجه و اخضر خضاره و قال : أنا كما ترين أسبح في هذا الماء الراكد الساكن الهادئ امتع ناظري في الموج الذي أفتعله على مزاجي و قدر حجمي و عندي من البيوت بعدد الحفر المنتشرة في جوانب البئر ، أختبئ فيها من المطر وكلما ارتفع منسوب الماء اعتليت بيتا (حفرة) أعلى. طعامي كما تعلمين حشرات تائهة جذبها الماء الداكن ورائحته المعتقة  ، تعالي و استمتعي معي لأخبرك عن تجاربي فقد اشتقت الى الحديث الى رفيق. 

همّت السلحفاة بالدخول الى البئر إلا أن فتحة البئر كانت ضيقة و لم تستطع رغم حرصها على لقائه و تنويره ، اعتذرت منه وقالت له إنه ضيق لم لا تخرج إلينا في الأعلى وتحادثنا يا ضفدع ، قاطعها متلهفا لسماع صوته و هو يتحدث اليها قائلا :و كيف أنت و من أين أتيت ؟ قالت له جئت من الماء المجاور ذلك المحيط الغائر  الذي لا تكاد ترى نهايته و لن تصل الى منتهاه و لو كنت قرصانا ثائراً إنه ماء كبير تسبح فيه كائنات و عجائب كثيرة فيه نباتات و مرجانيات و ألوان فاقعة و داكنة و فاتحة ، بل حتى حيوانات شفافة و لفافة و منتفخة و منبسطة و مفترسة و صغيرة و كبيرة. تهطل الامطار لايام و ياتي الجفاف لاشهر لكن لا يرتفع منسوبه ولا ينخفض ، لا ينقص ماءه مهما أخذت منه و لا يخبو لونه مهما أفسدت فيه ، سقفه سماء زرقاء لونها يسر الناظرين ليس لها بداية ولا نهاية ، تتكور في النهاية لكنك لن تراها تتكور ، وفي الليل بساط مقلوب مرتفع مزركش بمصابيح لا تنطفئ. 

قالت له هذا الماء ، أما البر فالحديث يطول و لا ينتهي ، حدثتني عنه صديقتي السلحفاة البرية و لم تنتهي، وهنا أنهى الضفدع الحوار بسرعة و كانه ذكّره في شيء يكرهه،  و اعتذر من السلحفاة و غط في قيلولته اليومية في غير موعدها.   

لا نعرف كيف انتهت القصة لكن بالتأكيد نعرف أن الضفدع قد عرف مساحة سماءه في أعلى البئر و ماءه في أسفله ، لكن هل سيتخلى عن منهجيته أنه يعرف كل شيء؟ و عالمه هو أفضل شيء ، هل سيستمر في التمتع مع نفسه أنه يعيش وحيدا كالملك دون رعية و لا وزراء أو رفقاء يشاركونه حشراته و أفرائحه و حسراته؟ هل سيرتفع طموحه مع صعود الماء في الشتاء ليعود ويتبخر في الصيف مع الحرارة و سخونة الجدار و الأجواء؟  هل سيغامر و يخرج الى عالم جديد ليخوض غمار الحياة على طبيعتها و يشعر بغمرة الفرح و لو لمرة؟ 

ربما لن يتحرك الضفدع لو أطلت عليه سلحفاة كل يوم ، لقد سمع ما سمع ، فمرحلة الالهام الذي أدته السلحفاة باقتضاب قد انتهت و جاء الدور على الضفدع أن يقرر ويختار ، و ليس له عذر ان يحتار ،  فهل هو مستعد للمغامرة أم انها له مقامرة؟ فجسمه قد بات متكوراً و مشاعره لا تطيق التعرف على أي كائن جديد شبيه او ذي ملامح مختلفة ، قد يكون التنافس في البيئة الجديدة محموم ولا يطيقه من مثله الْيَوْمَ مهموم ، وخصوصا انه اعتاد على الهدوء و الامان والغذاء المحدود. أسئلة كثيرة قد تحرك وجدانه فتتحرك أقدامه ليحقق غاياته و يوجه أهدافه ، متمرداً على ما يكبله ..... إن كان يكبله! 

الخميس، 6 أكتوبر 2016

كنت صغيراً في صغري




بينما كنت أقلب مع أطفالي بعض الصور القديمة تذكرت بعض المواقف والتحديات التي واجهتني عندما كنت صغيراً ، حيث كنت قصيراً ونحيلاً (يعني بالعامي حبتي قليلة) ، وكان ذلك يؤرقني بسبب سطحية ثقافة المجتمع المحيط الذي يمجد المظاهر الخَلقية على أنها إنجازات يفتخر الناس بها في أنفسهم وذرياتهم مثل الطول وشقار الشعر وبياض الوجه وخضار العينين و غيره ! أتعجب كثيراً عندما أتذكر كيف كنت أستحي عندما يسألني أحدهم عن عمري أو صفي في المدرسة بسبب عدم توافق حجمي مع عمري حسب مقياس و"ستاندرد" المجتمع فكانت ردة الفعل مثلاً "أووفف معقول"! (ما زلت لا أدري إن كان ذلك التعليق عن حسن نية بسبب المفاجئة العجيبة أم لا ! ) 

سطحية الثقافة ، كما يدل الاسم ، ينأى فيها الانسان عن التفكير العميق في مكنونات السطور وايات الأراضي والبحور ، وإعمال العقل في المفيد و تقدير العلم والعلماء  والأدب والادباء والفن والإبداع، ويجنح لملء الفراغ في القيل والقال فيصبح جُلّ همه ما يراه على السطح من مظاهر محسوسة و ملموسة ، ويتعامل مع الأمور كلها كصناديق سوداء له منها المخرج دون التفكر في دهاليز هذه الصناديق. لا أريد أن أهوّل من الموضوع وأحمّله اكثر من طاقته إلا أنه تشخيص لانعكاسات لها دلالات كبيرة ، وجزء من تأخّرنا أنا تركنا التأمل والتفكر بعمق في ايات الله كما أمرنا عزوجل ليتعزز إيماننا ويرسخ ونكتشف الكون ونواميسه كما كان أجدادنا الذين ما زلنا نفتخر بنجوم سمّوها بأسماء عربية تحلق في السماء فوقنا لتذكرنا لعلنا نصحو ونسمو ونعود وننكب على الكتب من جديد وننهل من العلم الذي في السطور ونطبق ونجرب لنعمر الأرض بالمفيد كما أُمرنا.  

أحببت أن أكتب في الموضوع ، رغم أني تخطيت ذلك كله منذ زمن بعيد عندما فهمت معنى الحياة الحقيقي بتقدم سني (وطبعا زاد طولي شوي في الثانوية  :) ، للفت الانتباه من خلال تجربتي الشخصية ومشاعري حينها لعلنا نتنبه و نعدّل من هذه الثقافة ، فأبناؤنا وبناتنا (و كنت قد خصصت خاطرة في البنات بعنوان وما دخلي أنا) بحاجة الى دفعات معنوية قوية تركز على اخلاقهم وكدهم وإخلاصهم في أعمالهم وأفكارهم ولنفرح بعدها في انجازاتهم ، وليس على صورهم وأشكالهم ومقاساتهم.   

الله حبانا بأمور كثيرة واستخلفنا لعمارة الأرض باستخدام امكانياتنا التي قد يكون جزء منها خَلقي وراثي ، لكن بالتنمية والاستثماروالاجتهاد يمكن ان ننفع المجتمع أكثر ، حتى في عضلات وجسم قوي أو دماغ فتي أومهارات ومواهب متنوعة. الهبات الجينية كحسن المظهر والجمال والطول والعرض وغيرها أمور محسوبة و سيحاسب عليها كل إنسان وكيف "أنفقها" ، كما هو الحال في كل نعم الله التي قد يجريها على أيدي الناس ، فالله كامل عادل ولن يترنا أعمالنا. 

*** :) الصورة تبين الوجه المشرق في أن تكون صغيراً وخفيفاً فيتم اختيارك لتكون على قمة الهرم و ترفع العلم ، كما حصل معي :)

الاثنين، 3 أكتوبر 2016

اللهم نفسي


نعيش هذه الايام في بيئة ممزوجة مملوؤة باراجيف واحداث جسام ،  ومواقف شخصية غير معتبرة. نحن كأفراد نرى بعين فردية قد لا تتجاوز صغار الاحلام ، وربما توافه الغرام ، كمن يعيش وكل امله في الحياة ان يتزوج من محبوبته. 

كثر الحالمون بامور دنيوية وربما انانية ، وحزنوا حزناً شديداً ، وظلوا صباحاً عشاءاً يبكون ، أن لم يحققوا المرجو المامول وقد علموا و عملوا وكدوا وبنوا وهدوا ! 
وقد يشدو الحزين ، ويكتب الأنين ، أن لم يحصل على ما يريد ،  بعد أن ظن انه وحده الفريد ،  ويجب أن يحققه دون تغريد. هذا الحالم المسكين له الحق أن يحزن إن كان قد آمن وعمل ،  فالايمان بالهدف ولو لم يكن ساميا أو مثاليا خطوة في الاتحاه الصحيح ومتطلب بل سر من اسرار النجاح.  

لنا الحق في السؤال والجواب والجدال والعتاب لمن أسلم و سلم ومن ثم عاش و تقدم ولم يفكر قبل ان تنتهي رحلته باي إضافة ايجابية تنفع الانسانية ولو كانت بسيطة او حتى مادية كاي طبيعة بشرية.   

مفاهيمنا يجب أن تتجدد ،  وبنا نحن فقط تتجدد ، تغيير النفس مطلوب ،  فالقوم حالهم معطوب ، يهفو فؤاده للصحوة ، ويمجد التاريخ والصفوة لكن انفاره لم تقرأ الارشيف ولم تفهم التاريخ ، فكيف تلومه عدم التأليف ، ثرثار ناقد لكنه يحب الخير ويحلم بالحل الأبيض البر ، تسأله شاركنا في رسم لبنة من هذا الصرح العظيم ادعمنا ، تابعنا أو حتى ادعوا لنا ، ينصرف وكأن لم يبصر أو يسمع أو قد تحمر الوجدات وتنحسر الأهداب وتذوب البسمات .

تقديري للهم الذي بنا وألم بنا انها ثقافة مزرية اذا كانت في الدنيا مسيطرة ،لا في الاخرة ، "اللهم نفسي".   


الثلاثاء، 27 سبتمبر 2016

خفف الوطء و تأمل يومك

خفف الوطء و تأمل يومك

تسارع الحياة و انجذابنا لها و قلة أوقات التدبر و تقلص فترة التركيز  والاهتمام attention span في حياتنا اليومية بسبب ازدحام الاخبار و news feed والرسائل النصية و "الواتسابية" من كل مكان يجعلنا اقل تأملاً و تفكراً و احياناً أقل تفاؤلاً ، بل أكثر عجلة و تنافساً و تشدداً و قلقاً و ربما لغطاً و نكراناً لكثير مما نملك دون أن نشعر و نستشعر حكمة الرضى و سؤدد الطمأنينة و التسليم للكريم الحكيم. 

لو تأملت كل يوم في كل حركاتك و سكناتك بدقة شديدة لتعاظمت الصغائر في عيونك و لشعرت وقدرت ما هو أهون موجود و أعز مفقود ، مئات الأمور ابتداءاً من استيقاظك بصحة و عافية ، تفتح عينيك فترى النافذة تسبح فيها  ذرات الفجر لتداعب وجنتيك ، تستند على يديك و تحملك قدميك ثم تمشي الى الحمام فتفتح الحنفية فينزل الماء وتشرب زلالاً طيباً ليرطّب جسدك ، تتغسل ثم تذهب وتصلي و تحرك أعضاءك بحرية  ، في المطبخ الفطور على المائدة يحفه الزيت و الزعتر ، تنتهي ومعجون الأسنان لم ينتهي ، و الفرشاة في مكانها ، تجد ملابسك نظيفة وعندك اكثر من خيار ، تقبل أبناءك قبل الذهاب الى المدرسة ، يعمل المصعد و محرك السيارة مباشرة ، تصل الى عملك بسلام ، يبتسم زميلك في العمل عند لقائك ، تصلك رسالة صباحية من أصدقاء بحبوك و تحبهم في الله ، تبدأ العمل فيعمل جهاز الحاسوب بسهولة ، تنجز اعمالك اليومية ، تصلي بطمأنينة ، تعود الى البيت و تسير معظم أمورك بسلاسة و نعمة بتدبير من القدير.

تخيل حسابيا لو قسمنا عدد الإشكاليات او الأحداث التي قد تسوؤنا شهريا او سنويا على كافة الأمور و النعم المتكررة لنفس الفترة !  ناتج القسمة سيكون بالتأكيد ضئيل و متناهي بالصغر ، اذا حقا علينا ان لا نحنق و لا نتأفف ونحتسب و نحمد الله حقا  و صدقا على نعمه التي لا تعد و لا تحصى. 

أخوكم حسام عرمان
27-09-2016

الأربعاء، 14 سبتمبر 2016

خمس سنين و ما زال الحنين

خمس سنين و ما زال الحنين 

شاء الله سبحانه وتعالى أن يتصادف تاريخ وفاتك يا أمي مع أهم التواريخ العالمية الحديثة 9/11 ، ربما من رحمة الله بنا و تدابيره لنا حتى لا ننساك من دعاءنا و خصوصا ان اليوم هو خير يوم طلعت عليه الشمس و خير الدعاء دعاءه و فيه اكتملت الرسالة و أتم الله به النعمة و تعاظمت الخيرات و المغفرات و زاد الأجر فيه فلم تستطع أي من الاعمال منازعته فيه .
ندعو لك اليوم و قد عدّت خمس سنوات و مازال رحيق حنانيك ينبعث من بين ثنايا التين و الزيتون ترطب الأرض المقدسة و تصلنا مع النسائم المخملية الغربية الجنوبية و في كل جنبات الدنيا ، فمهما ابتعدنا فالروح تسري ونحن لا نعلم ، ونشعر بهمساتك وانعكاس ابتساماتك على وجوهنا في فرحنا ، و رتابة يديك على اكتافنا و قبلات وجهك الندي الطري على خدودنا يوم حزننا ، ليشدّ عود عزمنا و يحثنا أن نجدد العهد وأن نكون صالحين ناجحين بإذن الله. 
ما بعد تاريخنا 9/11 قد يختلف أكثر عن ما بعد تاريخهم 9/11 ، فسندنا تهدم و هفت ومنابع الالهام جفت ونور الحياة هفت ، لكننا نستأنس بك و لا ننسى كيف كنت صابرة و فاهمة و مدبرة تحبين العلم و العلماء و تعطفين على المساكين والضعفاء ، رضية والدين بامتياز.
إن كان موتك جبل و انغلق علينا فإن الله عزيز حكيم بتسهيله علينا ، ليصبح بقدرته مطبا في حياتنا لان الحياة كلها لا تعدل جناح بعوضة عند الجبار الذي سيعيننا على كَبَدها ، و نسأله تعالى أن يجزيك خير الجزاء و يجمعنا في جنات النعيم. 
اللهم تغمدها برحمتك يا كريم يا الله و جميع امهات المسلمين في هذا اليوم العظيم ... امين .

11/9/2016

الجمعة، 19 أغسطس 2016

تأملات سريعة من أولمبياد ريو 2016

تأملات سريعة من أولمبياد ريو 2016


رغم أني عادة لا أتابع ألعاب الاولمبياد بشكل عام (عدا كرة القدم طبعا)، لكن هذه السنة تابعت بعض الألعاب و الأخبار المتفرقة من ريو 2016 ، قصص مؤثرة و حكايا متنوعة و مثيرة. فها هي البرزيلية السمراء الجميلة رافيايل سيلفا القادمة من المخيمات المجاورة تحصد الميدالية  الذهبية بعد أن كادت تتحطم نفسيتها قبل انهيار بدنها و ربما وظيفتها أمام سيل الانتقادات في الاولمبياد الماضي عندما فشلت فشلا ذريعا ، و وصفها بهمجية عنصرية بغيضة بعض الجماهير بالقردة مستهزئين بلون بشرتها و أدائها. لم تفتح رافايل كمبيوترها حينها خوفا من أن تنهار عند قراءتها التعليقات لكنها تمالكت نفسها وعادت بعد أربع سنوات وقالت لهم " The monkey came out of the cage in London and became champion in Rio de Janeiro" أي خرجت القردة من القفص في لندن و أصبحت بطلة في ريو.

أما قصة جوزيف سكولنج السعيد القادم من دولة صغيرة عظيمة هي سنفافورة ، يأتي هذا الصغير صاحب الحلم الكبير لينتقل بنا من صورة له مع قدوته في الرياضة السباح العملاق فيلبس قبل ثمانية سنوات عندما كان عمره حينها ثلاثة عشر عاما إلى حقيقة ذهبية يترجم فيها العصر الذهبي لهذه الدولة وربما يسعد المؤسس الاول ليو كوان يو في قبره بعد أن انتزع المركز الأول بمصادفة تاريخية لا تتكرر عندما ترك خلفه فيلبس مع ميدالية فضية. أما في مسك الاولمبياد و أم الالعاب فكما كان متوقعا ، صديق الجماهير و محبوب المتعثرين و البسطاء و أسرع رجل في العالم بولت الجاميكي الذي يحبه الجميع بسبب بساطته وخفة دمه و أسلوبه و الأهم ثقته بنفسه التي تلهم الاخرين  و خصوصا الجامايكين ، لعلهم يتركوا خلفهم قضايا شبابهم المشوبة بالمشاكل بل صيتها الاجرامي أحيانا.   

ألعاب عديدة و متنوعة و لطيفة لكنك تشاهد فيها احترافية عالية فمثلا تفاجأت بوجود لعبة الترامبولين ضمن ألعاب الرجال و كنت قد لعبت عليها هذا الصيف في لندن لأول مرة في حياتي و شعرت بخجل شديد في البداية رغم أن الطفل الذي في داخلي كان يرقص فرحا و يقول استمتع باللحظة و أغمض عيناك حتى لا يراك أحد. ألعاب عديدة قد تظنها بسيطة و لا تفهما حتى تجربها و تعلم حينها الكم الهائل من المعرفة و المهارة و الحذاقة اللازمة لإتقانها ، فمثلا جربت الجولف مؤخرا  فوجدت نفسي أضرب الهواء مرات عديدة و إذا ضربت الكرة طارت وكأنها طير أعمى خرج لتوه من بيضته على غير هدى (وما تغركم الصورة يا اخوان:) . 

لقد رأينا كيف ترفع أعلام الدول في ريو دي جانيرو في كل مرة يفوز فيها الأبطال في الميداليات لتصدح للعالم و تقول في نفسها أننا دول تستحق الاحترام وفّرنا لشبابنا الفرصة ليبدعوا وفي أي مجال يوائم مواهبهم ، فينتشر صيت الدول و ما له من انعكاسات إيجابية عن الدول يؤدي فيما بعد الى تقدم و تطور يتجاوز الرياضة الى تحسين صورة المجتمع و الاقتصاد و الاستثمار و غيره من المحفزات.
أما الدول العربية الغارقة في مشاكلها (بل دمائها) ، فحظها ما زال يتعثر الا ما ندر أو من عربي أبدع عندما سافر و هجر . لقد فقدت الدول ثقتها ببناء جيل موهوب و مجتهد فتسرعت وجنّست و ياليتها بدلا من ذلك أنبتت و ربّت و أبدعت ولو على هون. الغريب والطريف كما ذكر البعض أن العرب فشلوا حتى فيما اشتهروا به سابقا من رياضات فيها قوة وشجاعة و فروسية ونزال والذي كان جزءا من حياتهم اليومية ، اليوم تغير الحال وسبقهم إليها هواة أصبحو أبطال فنيكولو و تشارلت صاروا يغنوا عنهم بلغتهم " الخيل والليل والبيداء والسيف والرمح و ... " ، فما عادت السباحة و الرماية و ركوب الخيل للأسف إلا في سطور الكتب وعلى الرفوف مهجورة.

حسام عرمان
19-8-2016

الجمعة، 15 يوليو 2016

لا يريدون حسنة لا في الدنيا و لا في الاخرة

لا يريدون حسنة لا في الدنيا و لا في الاخرة       

ظن انه يجلس على الجانب الاخر من ضفاف الكوثر يعنّف من لم يتبع منهجه و يكفر و ينفر ، و يحلم انه يقول هاؤم اقرؤوا كتابيه ، فاخذ يوزع الصكوك و يقسم البرايا و يدعو على معظمهم ان يشتت شملهم ، فدعا أقرانه ان يلحقوه بفيزا حزام يمزقوا فيه قلوب الأبرياء و الاطفال و يفرقهم فجاجا لأن دعاءه لم يستجب. 

حقدوا على الناس كافة و أرادوا احتكار نعيم  جنة تصوروها وفصّلوها على قياسهم و ربما رسموا حدودها و اعتقدوا انها لن تتسع اذا دخلها الناس افواجا، وكانهم سينافسونهم في عالم اخر لكنه ايضا تنافسي رأسمالي.    

 لم يفهموا عالمية الرسالة و ان الانسان يحب الخير و الهداية لاخيه الانسان في الدنيا و الاخرة ، الم يقرأوا معاني ؛ وجعلناكم شعوبا و قبائل لتعارفوا ، وانه اذا انتزع الرفق من شيء شانه ، و لا إكراه في الدين ، و لو كنت فظّا لانفضوا من حولك ، و ان نغرس الزرع حتى لو قامت القيامة، و من قتل نفسا بغير حق ، و الدم حرام ، وأعظم من هدم الكعبة ، وقد دخل الجنة من سقى الكلب  شربة ماء و من ربى بنته و أطاع ربه و من نام و قلبه سليم مع الناس لا بكثير الصلاة و القيام. ام انهم لا يقرأوا و إن قرأوا لا يفهموا. 

يعجز العقل عن فهم جنون عقولهم ، و خبايا فنونهم و دافعية فكرهم وربما خبث من خلفهم ممن فهموا ففهّموا غيرهم غير ما فهموا. لكن يمكرون كلهم و الله دافع عنا مكرهم و لو بعد حين ، لكن هل نظل ننتظر "الحين" دون ان نهز النخلة و ندفع بالفكر المنير عنا شرهم اللعين. 

حسام عرمان 



الجمعة، 6 مايو 2016

لكل مجتهد نصيب و لو كان طريقه عصيب

لكل مجتهد نصيب و لو كان طريقه عصيب 




قصص ملهمة تحدث كل فترة لتبعث في نفوس الناس شيئا من التفاؤل ، فوز خان برئاسة بلدية اهم عواصم الدنيا اليوم و تفوقه على اقرانه البريطانيين "الكح" يبين لنا ان لكل مجتهد نصيب و لو  كان طريقه عصيب ، هذا الأربعيني ابن اللاجئ و سائق الحافلة الباكستاني تمكن من الصعود بسرعة في سلم السياسية ، رغم كيد الكائدين و نجح ايضا بسبب وجود نظام عريق يفتح ابوابه للمجتهدين بغض النظر عن خلفياتهم. 

أما في عالم الرياضة فقد تفاجأ الجميع في إنجلترا ايضا هذه السنة بقصة النادي الانجليزي ليستر سيتي ، هذا النادي المغمور في المدينة الصغيرة التي كنت احبها كلما مررت بها نهاية الاسبوع لزيارة حبيبتي (خطيبتي حينها ) ذاهبا الى لندن ، رغم اني لم انزل فيها الا مرة واحدة (هذه المدينة تجاوز فيها السكان من أصل اسيوي اكثر من النصف) ، و كما المدينة فان هذا الفريق مغمور و صغير و عادة ما يصارع للبقاء في البريميم ليج ، و عادة ما يلعب من اجل المشاركة فقط ، لكنه تمكن هذا الموسم من ان يقتنص لأول مرة في تاريخه اللقب الاهم في إنجلترا بميزانية متواضعة مقارنة بالأندية الكبيرة المنافسة و خبرات لاعبين متوسطة و بسيطة ، و مع ذلك فقد توج لاعبين من فريقه بجائزة افضل لاعب ، احدهما العربي الجزائري رياض محرز الذي تجاوز المثبطين ممن قالوا له في بداية مشواره الكروي ان "جسمك صغير و ضعيف لان تصبح لاعبا محترفا"، لكنه اجتهد و طور نفسه و مهارته حتى وصل الى ليستر ب ٥٠٠ الف جنيه ( الان بجوز ب ٥٠ مليون ما بتجيبه :) . 

شاهدت اكثر من مباراة هذا الموسم لليستر و كانت جميع النتائج إيجابية و مبارياتهم عجيبة حيث ان معظم لعبهم يعتمد على الهجمات المرتدة لكنهم يعملون بجد وتشعر انهم على قلب رجل واحد ، فريق جماعي سلاحه الإصرار و التجانس ، تقدم بصمت و حافظ على توازنه بقيادة مدرب ذكي بين لنا أهمية القيادة و لو كانت الموارد و خبرات اللاعبين بسيطة. 

    

الأحد، 17 أبريل 2016

الطبيعة و رسائلها الابداعية






الطبيعة هي رسالة من البديع الى أولي الالباب حتى يعرفوا الخالق من خلقه و ينغمسوا في التأمل و التفكر في الطبيعة و السماء و الارض فيزيد يقينهم و تنتعش قلوبهم مرتين ، مرة بسحر الطبيعة و اثرها على مناطق السعادة في الدماغ متتبع الجمال لينطلق ويبدع ، و مرة بانعكاس اثرها الروحاني في تجدد الإيمان بالتسبيح لرب الأكوان. 
أرفقت صورة التقطتها الصيف الماضي في المناطق المرتفعة في سكوتلندا ( يعني تصلح خلفيات شاشة للكمبيوتر حتى وان كنت هاو في التصوير و تستخدم كاميرا الموبايل :) . منظر الماء الزلال وهو يسير ليَصب في الجدول الصغير كانه قصيدة انسكبت ابياتها من فم شاعر متجمد في أعالي الجبال تركها تنزل و كانها شرايانات حياة ارضية ، باردة تخترق الصخور الخضراء الناعمة ، لتنبت غذاء عضويا أخضرا لا علفا اصفرا ،  فتسبح فيه الخراف البيضاء السارحة الفرحة في عزلة طبيعية كما هو صاحبها و منزله الوحيد كما ترون ( في  ال nowhere :) 
بين الأشجار تكتب الكلمات الرقيقة و الروايات الجميلة و من الطبيعة تنبت الأفكار البديعة و تستوحى أفكار التصاميم و المنتجات و كثير من النظريات ، حيث يسر الناظرين بالخضراء و الماء ، اما الحيطان التي تزداد كل يوم حولنا فإنها تحبسنا  في كل مكان و تفقد قلوبنا الشعور بالأمان ، وتأكل من مزروعاتنا و خضار اجيالنا القادمة.  
بلسم الطبيعة أثبتته دراسات عدة فمثلا بينت احد التجارب ان مجموعة المرضى الذين كانت أمامهم مناظر طبيعية تحسنوا اسرع من الآخرين الذين كانت أمامهم حجارة الحيطان !  
سنظل نتعلم من الطبيعة و نتأثر بها و تتاثر بنا و غالبا بظلمنا و عاداتنا و أنانيتنا و همجيتنا ! 

حسام عرمان 


الجمعة، 25 مارس 2016

طوّل نهارك

طوّل نهارك


 بمجرد انتهائي من قراءة مقالة ليو باباوتا الرائعة والبسيطة لفوائد البكور العشر وكيفية تحقيقه (انظر الرابط)، تأملت كيف أن نظامنا الميقاتي اليومي مرتبط بمواعيد الصلاة المتوزعة على طول الفترة المتوفرة لنا لنقوم بالإنجاز خلالها في التعلم والعمل بالإضافة إلى العبادة والاستراحة وغيرها من الأمور التي تملأ برنامجنا اليومي الذي يتراكم ليصبح شريط حياتنا كلها.  

ولعل البداية القوية هي الأهم. تخيلوا معي لو تمكنا من أن نبدأ نهارنا كل يوم مع صلاة الفجر !  أعتقد أن هذا سيشكل فارقاً نوعياً إن تم استغلاله وبركاته بالكم والنوع على مستوى الأمة وعلى المستوى الشخصي بالتأكيد. نظامنا اليومي المستمد من ديننا الحنيف يسهل علينا أن نكسب حسنة في الدنيا والآخرة  ، نعمّر الأرض بإنفاق أوقاتنا مجتهدين مستغلين بركة البكور لا نائمين حتى الشروق ننتظر الشمس لتنهرنا أن نستيقظ ونبدأ نهارنا.

فلنتعلم من ستي الختيارة الفلسطينية التي كانت تبدأ يومها قبل الفجر تعجن وتخرج فتخبز وتطعم الجميع ثم تذهب وتساعد في الأرض مع زوجها الفلاح الذي أفلح فزاد نصيبه من اليوم عندما نام مبكراَ واستيقظ مبكراً.

الفوائد العشرة بتصرف:
1.      تبدأ بحمد الله أنك عشت ليوم جديد وبدأته من أوله
2.      بداية قوية ونشيطة (لا قلق بسبب التأخير عن العمل)
3.      تنعم بالهدوء والسكينة الصباحية
4.      متعة شروق الشمس  
5.      افطار صحي دون استعجال (و مش على الواقف)
6.      وقت للتمرين لا يمكن تجاهله
7.      ذروة الانتاجية عند الكثير
8.      تخطيط ومراجعة الأهداف بشكل يومي
9.      تجنب زحمة الطريق
10.  لا تأخير عن اجتماعات الصباح

أعاننا الله و اياكم أن لا يذهبَ عنا ذهبُ البكور كما يقول إخوانا المغاربة في المثل الشعبي "‏الفياق بكري بذهب مشري". 

حسام عرمان 

25-3-2016

السبت، 19 مارس 2016

السعادة في العطاء

السعادة في العطاء   



سمعت لقاء من يومين مع بروفيسور من هارفرد اجرى دراسة بسيطة في امريكا ، بحيث يعطي مبلغ بسيط من المال للمشاركين في الاختبار و يطلب منهم ان ينفقوه على أنفسهم (مجموعة ١) او ينفقوه على أناس اخرين (مجموعة ٢) و كان يسألهم عن درجة سعادتهم قبل و بعد ، فتبين ان المجموعة رقم ٢ كانت دائما تتحسن سعادتها بعد التجربة ، و الملفت للنظر ان نفس النتيجة تكررت ايضا عندما قاموا بها في احد الدول الافريقية ! 

بركة العطاء تفوقت على المادية الذاتية حتى في المناطق الفقيرة كما ذكرت الدراسة ، و قد رأينا مؤخرا كيف ان الكثير من أغنياء العالم وخصوصا من وصل القمة منهم مثل بيل جيتز الذي ميز و علم معنى السعادة الحقيقي فتبرع و جعل العمل الخيري جزء من حياته ، اخبرني صديق عزيز يكون نسيب الدكتور عبد الرحمن السميط رحمه الله  كيف كان شعور الناس الذين التقى بهم في كينيا تجاه الدكتور السميط الذي نذر نفسه لعمل الخير و خدمة الانسانية فأحبه الجميع و سعدوا به كما سعد بهم. ولعل قصة الراجحي التي ذكرها الإعلامي المعروف محمد الوكيل مع الاستاذ الفلسطيني الذي أعطاه ريالا حتى يذهب الى رحلة المدرسة (حيث كان الراجحي فقيرا حينها) ورد اليه المعروف عندما تذكره بعد سنوات عديدة بفيلا و سيارة ووظيفة و كان حينها قد ساء حال الاستاذ كثيرا.  

انه سحر العطاء والصدقة المليئة بالفضائل و هناك الكثير من الدلائل و قيمتها ليست بقيمتها فالكل على أجرها قادر حتى الفقير يعطي و في حلاوتها يشاطر ، فالصدقة يمكن ان تكون في الوقت و المهارة و الجهد و الكلمة الطيبة ، و أجرها في الاخرة عظيم و لو كانت مع لئيم. 

* بحثت عن "إتق  شر من احسنت اليه" ووجدت انه ليس بحديث و إنما ان صح فانه قول احد السلف و تحديدا باللئيم !  

حسام عرمان 

الثلاثاء، 1 مارس 2016

بيت عبد الله

I
بيت عبد الله  

"لا يمكن عمل شيئ " رد سلبي يقسم ظهر و عقل الوالدين عندما ترفع الراية البيضاء وإشارة الطريق مسدود في وجههم ان حالة ابنهم او ابنتهم وصلت مرحلة معقدة ( life-threatening conditions)، تلك الإشارة كانت إشارة البداية لفكرة الدكتور هلال و زوجته مارجريت الساير التي التقينا بها من يومين ضمن لقاءاتنا مع المتحدثين للتحضير لمؤتمر تيد إكس الشويخ TEDxAlShuwaikh و الذي سيقام في الكويت في 24 مارس ٢٠١٦ ، قصة عبد الله الذي سمي المكان باسمه كانت البداية لمشروع غير حكومي يقدم خدمات مجانية للمساعدة على تخفيف الألم الجسدي و المعنوي للطفل وأهله ، و هذا يتضمن عناية صحية متقدمة ، وخدمات إعادة تأهيل وأنشطة متنوعة و أماكن مخصصة للعب والدراسة والاستجمام ومرافق سكنيه للراحة تحاكي بيت العائلة.   

تهافتت على الفكرة قلوب المؤسسين والمساهمين و جاء المتبرعون من كل فج عميق ليدعموا و يأسسوا بنيانا اندمج فيه الابداع في التصميم و النظام و المكان بطريقة تقمص فيها المهندسون و الاداريون و المشرفون الطفل الانسان فكان الإلهام في كل تفاصيل المكان ، لا يشعر الطفل انه في المشفى بل في بيته الثاني و لذلك اسموه "بيت عبد الله" ذلك المكان الدافئ المليء بالحنان و اللعب و الفرح و القراءة والفن  والاتقان والإحسان والحب ، لا رائحة معقمات و لا ممرضات او أطباء بأثواب بيضاء (و ما قد يسببوه من white coat hypertension زي حلاتي :) ، فتكرار زيارة بيت عبد الله لا تقلق الطفل الذي يتعالج باستمرار و لفترات طويلة بل يمرح مع أهله في نزهة خفيفة تخفف على الأهل ايضا. هذا معنى البيت أما الشق الثاني من الاسم و هو عبد الله الذي وافته المنية بين أحضان أبويه بعد ان تخلت عنه المستشفيات و تخلى عنها ، فكلاهما افتقد الحنان و الحاجة الى الاخر.

لن أطيل حتى لا  افسد قصة بيت عبد الله فسوف يتم تسجيلها و بثها ضمن موقع TED ، لكن هذه الفكرة الانسانية المميزة كغيرها من الأفكار الملهمة التي يمكن أن تتكرر و تنجح و في اي مكان مادام هناك إيمان ، و انسان يفهم الانسان و يتقمص مشاعره و يعمل بتفان ليخرج الى الوجود و المجتمع منتج و خدمة بروح ابداعية كأي فنان. 

حسام عرمان 
١-٣-٢٠١٦